فهرس الكتاب

الصفحة 2807 من 4009

المبحث الخامس: اعتبار المقاصد

إن مما ينبغي مراعاته في موضوع نواقض الإيمان: مسألة اعتبار المقاصد، فينظر إلى قصد ومراد من قد يكون متلبسًا بكفر، مع النظر في نفس الوقت إلى ما ظهر منه من قول أو فعل، فهناك ارتباط وتلازم بين الباطن (القصد) والظاهر

ومما أورده ابن تيمية في اعتبار المقاصد قوله:

(ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم(( من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي ) ) [1] قال له سعد بن معاذ (أنا أعذرك، إن كان من الأوس ضربت عنقه .. ) والقصة مشهورة فلما لم ينكر ذلك عليه، دل على أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم وتنقصه يجوز ضرب عنقه، والفرق بين ابن أبيّ وغيره ممن تكلم في شأن عائشة، أنه كان يقصد بالكلام فيها عيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن عليه، وإلحاق العار به، ويتكلم بكلام ينتقصه به، فلذلك قالوا: نقتله، بخلاف حسان ومسطح وحمنة، فإنهم لم يقصدوا ذلك، ولم يتكلموا بما يدل على ذلك، ولهذا إنما استعذر النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبيّ دون غيره ... ) [2] .

ويقول أيضًا:

(فإن سب موصوفًا بوصف أو مسمى باسم، وذلك يقع على الله سبحانه، أو بعض رسله خصوصًا أو عمومًا، ولكن قد ظهر أنه لم يقصد ذلك، إما لاعتقاده أن الوصف أو الاسم لا يقع عليه، أو لأنه وإن كان يعتقد وقوعه عليه، لكن ظهر أنه لم يرده لكون الاسم في الغالب لا يقصد به ذلك بل غيره، فهذا القول وشبهه حرام في الجملة، يستتاب صاحبه منه إن لم يعلم أنه حرام، ويعزر مع العلم تعزيزًا بليغًا لكن لا يكفر بذلك ولا يقتل، وإن كان يخاف عليه الكفر) [3] .

ويقول في موضع ثالث: (إن المسلم إذا عنى معنى صحيحًا في حق الله تعالى، أو الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن خبيرًا بدلالة الألفاظ، فأطلق لفظًا يظنه دالًا على ذلك المعنى، وكان دالًا عل غيره أنه لا يكفر ... وقد قال تعالى: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا [البقرة: 104] وهذه العبارة كانت مما يقصد به اليهود إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون لم يقصدوا ذلك فنهاهم الله تعالى عنها، ولم يكفرهم بها) [4] .

ولما تحدث السبكي عن مسألة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بقول أو نحوه، قال:(لكن الأذى على قسمين أحدهما: يكون فاعله قاصدًا لأذى النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن هذا يقتضي القتل، وهذا كأذى عبدالله بن أبي في قصة الأفك، والآخر أن لا يكون فاعله قاصدًا لأذى النبي صلى الله عليه وسلم مثل كلام مسطح وحمنة في الإفك، فهذا لا يقتضي قتلًا.

ومن الدليل على أن الأذى لابد أن يكون مقصودًا قول الله تعالى: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ [الأحزاب: 53] . فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة، لم يقتض ذلك الأذى كفرًا، وكل معصية ففعلها مؤذي، ومع ذلك فليس بكفر، فالتفصيل في الأذى الذي ذكرناه يتعين) [5] .

وإذا أشرنا إلى مسألة اعتبار المقاصد في موضوع نواقض الإيمان، فإن هذه المسألة لا تنفك عن مسألة الإرتباط والتلازم بين الظاهر والباطن.

(1) رواه البخاري (4750) ومسلم (2770) .

(2) (( الصارم المسلول ) ) (ص: 179، 180) ، وانظر (ص: 58، 59) .

(3) (( الصارم المسلول ) ) (ص: 562) وانظر (ص: 495) .

(4) (( الرد على البكري ) ) (ص: 341، 342) ، وانظر (( أعلام الموقعين لابن القيم ) ) (3/ 110) .

(5) (( فتاوى السبكي ) ) (2/ 591، 592) ، وانظر (( الفروق ) )للقرافي (4/ 118، 119) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت