تمهيد:
لم تكن مسألة إثبات وجود الله تعالى هدفًا أساسيا من الأهداف، وذلك لأن الإقرار بوجود الله أمر فطري فطر الله عليه الخلق. والله سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل فيطلب الدليل على وجوده.
وقد وجد قليل من الناس سابقًا ممن ينكر وجود الله تعالى إما مكابرة وعنادًا كفرعون، أو لتغير الفطرة بسبب خارجي.
واليوم وإن كان قد كثر القائلون بعدم وجود الخالق إلا أنهم قليل جدًا إلى جنب من يقر بوجوده، وهم مع ذلك يحيلون خلقهم إلى الطبيعة!.
وللسبب المذكور سابقًا نجد أن الاستدلال على وجود الله تعالى في القرآن لم يكن مقصودًا أصالة، وإنما يمكن أن يستنتج ذلك استنتاجًا. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف - 1/ 276
ومع ذلك ـلم يكتف القرآن الكريم باستثارة الفطرة المقرة بوجود الله تعالى، بل حفل بالأدلة العظيمة، والآيات الباهرة الدالة على وجوده، وعظمته سبحانه وتعالى، فكل ما في هذا الوجود من خلق وعناية بهذا الكون، وتسييره، على أكمل نظام، وحكمة هو دلالة صادقة على وجود الله تعالى المدبر لهذا الكون.
وذلك لأن الأدلة على وجوده، وعظمته تعزز مكنون الفطرة، وتزيدها يقينًا واستقامة، والأدلة يحتاج إليها أيضًا من فسدت فطرته، حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإقرار بالخالق وكماله، كما يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس، عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها) [1] .
وعندما ظهرت الجهمية ومن تابعهم من فرق الابتداع، لم يأتوا بطرق مفيدة وصائبة في معرفة الخالق- سبحانه وتعالى - بل عقدوا الطرق السهلة وأطالوها, وغاية ما عندهم من الطرق هو الاستدلال بحدوث الحوادث على محدث موجد لها، وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الطريقة جزء من الطريقة القرآنية فقال: (هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة، وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة وأئمتها, وجماهير العقلاء من الأولين؛ فإن الله يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب، والمطر, والنبات, والحيوان، وغير ذلك من الحوادث, ويذكر في آياته خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك) [2] .
وقد أثبت الواقع الذي عاشه الصحابة - رضوان الله عليهم - أن الأدلة القرآنية يحتاج إليها من تعرضت فطرته لأحوال من الشرك والكفر، فتأتي هذه الأدلة لتنبيه الفطرة، وإيقاظها من انحرافاتها، فعن محمد- ت:98هـ- ابن جبير - ت:59هـ - ابن مطعم عن أبيه رضي الله عنه قال: (قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم في فداء الأسرى، فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى، فنمت، فأقيمت صلاة المغرب، فقمت فزعًا بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ [الطور:1 - 2] فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد, فكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي) [3] .
وفي البخاري قال جبير بن معطم رضي الله عنه: (( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:35 - 37] ، كاد قلبي أن يطير ) ) [4] .
قال الإمام الخطابي: (كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته ففهم الحجة، فاستدركها بلطيف طبعه) [5] .
إن الأثر الذي أحدثته هذه الآيات القرآنية بقلب هذه الصحابي الجليل، وكانت سببًا من أسباب إسلامه وإيمانه، تبين لنا مدى أثر الأدلة القرآنية في إحياء الفطرة ومعالجتها من ظلمات الشرك، والكفر, ولقد سمع القرآن الكريم الجمهرة الكبيرة من العرب، وغيرهم منذ بدء الإسلام وإلى يومنا هذا وعجائبه لا تنقضي، وأدلته العظيمة ما زالت سببًا كبيرًا في دخول الناس أفواجًا في هذا الدين. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: 28 - 31
(1) (( مجموعة الفتاوى ) ) (6/ 73)
(2) (( درء تعارض العقل ) ) (3/ 83)
(3) رواه ابن عساكر في (( مختصر تاريخ دمشق ) )لابن منظور (ص: 756) . وانظر: (( تاريخ دمشق ) )لابن عساكر (50/ 7) . ورواه بنحوه البخاري (4854) .
(4) رواه البخاري (4854) .
(5) ابن حجر - (( فتح الباري ) ) (8/ 603)