فهرس الكتاب

الصفحة 1475 من 4009

المطلب الثالث: بعض خصائص أولي العزم

أما إبراهيم عليه السلام فمن فضائله وخصائصه عليه السلام أنه خليل الرحمن لم يشاركه في الخلة إلا محمد صلى الله عليهما وسلم، قال سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] . وقد جعله الله عز وجل إمامًا للناس يقتدون به ويهتدون بهديه، قال سبحانه: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] . وقال سبحانه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 120] . وقال سبحانه: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة: 130] .

وقد أجرى الله على يديه بناء بيته الذي جعله قيامًا لناس ومثابة وأمنًا وعهد الله إليه ولابنه تبعًا له تطهير البيت للطائفين, والعاكفين, والركع, والسجود. وأمر سبحانه المؤمنين باتخاذ مقامه مصلى قال سبحانه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: 125] . وقال تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] .

وقد حصر الله النبوة والكتاب من بعده في ذريته عليه السلام، قال سبحانه: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27] . فلم يأت نبي بعد إبراهيم إلا من ذريته، وهو عليه السلام أول من يكسى يوم القيامة كما في المتفق عليه من حديث ابن عباس قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: (( إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا - كما بدأنا أول خلق نعيده - الآية وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ) ) [1] .

وقد جمع الله له منزلتين عظيمتين, قال سبحانه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا [مريم: 41] فجمع له بين الصديقية والنبوة، وفضائله أكثر من أن تحصر عليه السلام, وما علمناه غيض من فيض مما جهلناه في إبراهيم عليه السلام.

وأما نوح - عليه السلام - فقد جاهد في الله حق جهاده وهو أول رسول بعث في الناس بعد اختلافهم على دينهم, واجتيال الشيطان لهم، وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا باذلًا وسعه في الدعوة إلى الله ليلًا ونهارًا, سرًا وجهارًا، صابرًا على أذى قومه، لا تثنيه عن الدعوة إلى ربه سفاهاتهم وتعدياتهم، قال سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ [العنكبوت: 14 - 15] .

(1) رواه البخاري (3349) ، ومسلم (2860) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت