الفرع الأول: المنكرات التي يجوز إتلافها باليد
للناهي عن المنكر أن يتلف الأشياء العينية المحرمة مثل الأصنام المعبودة من دون الله بشتى أنواعها وأيًا كانت مادتها من خشب أو ذهب أو نحاس. فله تكسيرها وإتلافها وكذلك آلات اللهو بشتى أنواعها من عود وآلات موسيقية ونحو ذلك أو الأشرطة التي سجل فيها أغاني خليعة وموسيقى ماجنة ونحو ذلك. أو الصور الخليعة المحرمة فله طمسها أو تمزيقها وإتلافها.
كل ذلك يجوز له تغييره باليد وإتلافه لكن عليه أن ينظر إلى قواعد الشرع قبل الإقدام على ذلك ومراعاة المصلحة فلا يخلف ذلك منكرًا أكبر منه ...
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن رجل كسر عودًا كان مع أمه لإنسان فهل يغرمه. أو يصلحه؟ قال:
لا أرى عليه بأسًا أن يكسره ولا يغرمه ولا يصلحه. قيل فطاعتها؟ قال: ليس لها طاعة في هذا.
وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى بها. قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شيء. قال: لا، قيل له: وكذلك إن كسر عودًا أو طنبوراَ؟ قال: نعم. وقال عبد الله: سمعت أبي - في رجل يرى مثل الطنبور أو العود أو الطبل أو ما أشبه هذا ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفًا فاكسره.
وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي؟ قال يكسره أيضًا. قلت: أمر في السوق فأرى الطنبور تباع أأكسره؟ قال: ما أراك تقوى، إن قويت -أي فافعل- قلت أدعى لغسل الميت فأسمع صوت الطبل؟ قال إن قدرت على كسره وإلا فاخرج [1] .
وهذه الروايات عن الإمام أحمد -رحمه الله- تفيد إنكار المنكر باليد، وكسر مثل هذه المنكرات وإزالتها. وهذه مبنية على أصل الشرع.
فعن أبي الهياج الأسدي -رضي الله عنه- قال: قال لي علي بن أبي طالب: (( ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ) ) [2] .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (( دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال صلى الله عليه وسلم أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ) ) [3] الحديث.
وفي رواية لابن عباس -أيضًا- (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ) ) [4] الحديث.
فهذه الأحاديث وغيرها من النصوص تبين مشروعية إزالة المنكرات باليد، على أية صورة كانت الإزالة مما يناسب ذلك المنكر إما تغييرًا كليًا أو جزئيًا. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود - ص 514
(1) ذكر ذلك كله ابن القيم رحمه الله (( الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ) ) (ص: 278، 279) .
(2) رواه مسلم (969) .
(3) رواه البخاري (3351) .
(4) رواه البخاري (3352) .