فهرس الكتاب

الصفحة 2890 من 4009

المطلب الأول: كفر الإباء والاستكبار

ومن الكفر المناقض لعمل القلب كفر الإباء والاستكبار والامتناع [1] ككفر إبليس، وفرعون، واليهود حيث إنهم عرفوا الحق فلم ينقادوا ويستسلموا له، قال تعالى في حكاية حال إبليس لما أمر بالسجود وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34] ، فهل جحد إبليس ربه؟ وهو يقول: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 39] ، ويقول: قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر: 36] إيمانًا منه بالبعث، وإيمانًا بنفاذ قدرته، في إنظاره إياه إلى يوم البعث، أو هل جحد أحدًا من أنبيائه، وأنكر شيئًا من سلطانه، وهو يحلف بعزته؟! وهل كان كفره إلا بترك سجدة واحدة، أمره بها، فأباها!! [2] .

قال شيخ الإسلام عن هذا الكفر: (وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا ... ) [3] .

وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - عند كلامه عن أنواع الكفر الأكبر ( ... وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباء واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل ... ) [4] ، إذ وجه كون الإباء والاستكبار كفرًا، مناقضته للانقياد والاستسلام الذي هو أساس عمل القلب وأصله، قال شيخ الإسلام - رحمه الله: (وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب جِمَاعُه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به، فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار ... ) [5] . وقال موضحًا إيمان القلب: (إن الإيمان قول وعمل - أعني في الأصل - قولًا في القلب، وعملًا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالًا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو نوع من العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين، فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا ... ) [6] .

وقال الشيخ حافظ حكمي - رحمه الله - عن هذا النوع: ( ... وإن انتفى عمل القلب، وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس، وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب) [7] ، فهذا النوع لا خلاف ولا إشكال في تكفير من وقع فيه - سواء كان فردًا أو طائفة - لأن الاستكبار ينافي حقيقة الإسلام وهو الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له بالتوحيد والخلوص من الشرك. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي-1/ 387

(1) لا يلزم الترابط التام بين الإباء والاستكبار والامتناع في كل الأحوال، فقد يوجد إباء وامتناع دون استكبار، ولذلك سنبحث أولا الإباء والامتناع مع الاستكبار، ثم الإباء والامتناع بدون استكبار.

(2) (( تعظيم قدر الصلاة ) )للمروزي (1/ 394، 395) .

(3) (( الإيمان الأوسط ) ) (ص: 76) ، وانظر (الفتاوى) (20/ 97) و (العبودية) (ص: 110) .

(4) (( مدارج السالكين ) ) (1/ 366) .

(5) (( الصارم المسلول ) ) (ص: 521) .

(6) (( الصارم المسلول ) ) (ص: 522) .

(7) (( معارج القبول ) ) (2/ 22، 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت