لم يرد لفظ (الجهة) ؛ لا إثباتًا ولا نفيًا، لا في الكتاب ولا في السنة، ولذلك؛ فالحق فيها التفصيل، ويغني عنه العلو والفوقية، وأنه سبحانه وتعالى في السماء يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرسالة التدمرية) (القاعدة الثانية) : فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله؛ فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى؛ كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه؛ كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ونحو ذلك، وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق سبحانه وتعالى مباين للمخلوق، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة، أتريد بذلك أنَّ الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل اهـ ويقول في (مجموع الفتاوى) : فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة؟ قيل له: الجهة أمر موجود أو معدوم، فإن كان أمرًا موجودًا، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن المخلوق؛ لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة، وإن كانت الجهة أمرًا معدومًا؛ بأنَّ يسمى ما وراء العالم جهة، فإذا كان الخالق مباينًا العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسماة، وليس هو شيئًا موجودًا؛ كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار لكن؛ لا فرق بين قول القائل: هو في معدوم، وقوله: ليس في شيء غيره؛ فإنَّ المعدوم ليس شيئًا باتفاق العقلاء.
ولا ريب أنَّ لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودًا، وتارة معنى معدومًا، بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال؛ ظهر حقيقة الأمر فإذا قال القائل: لو كان في جهة؛ لكانت قديمة معه قيل له: هذا إذا أريد بالجهة أمرٌ موجود سواه؛ فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار.
وإذا قال: لو رُئي؛ لكان في جهة، وذلك محال قيل له: إن أردت بذلك: لكان في جهة موجودة؛ فذلك محال؛ فإنَّ الموجود يمكن رؤيته، وإن لم يكن في موجود غيره؛ كالعالم، فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر وإن قال: أردت أنه لابدَّ أنَّ يكون فيما يسمى جهة، ولو معدومًا؛ فإنه إذا كان مباينًا للعالم؛ سمي ما وراء العالم جهة قيل له: فلم قلت: إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعًا؟ فإذا قال: لأنَّ ما باين العالم ورُئي لا يكون إلا جسمًا أو متحيزًا؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزًا عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزًا؛ لأنه بائن عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛ فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالًا فيها، ولا متحدًا بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل اهـ [1] وقال الشيخ العثيمين -رحمه الله-: وممَّا لم يرد إثباته ولا نَفْيه لفظ (الجهة) ، فلو سأل سائل: هل نُثْبِت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أنَّ الله تعالى في السَّماء، وأما معناه؛ فإمَّا أنَّ يراد به: جهةُ سُفْلٍ أو جهةُ عُلُوٍ تحيط بالله أو جهةُ عُلُوٍ لا تحيط به فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع والثاني باطلٌ أيضًا، لأنَّ الله تعالى أعظم من أنَّ يحِيط به شيء من مخلوقاته والثالث حقٌّ؛ لأنَّ الله تعالى العليّ فوق خلْقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته اهـ [2] . صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص99
(1) (( مجموع الفتاوى ) ) (6/ 39 - 40) .
(2) (( القواعد المثلى ) ) (ص40) .