والعجب أن أناجيلهم حكايات وتواريخ، وكلام كفرة وكهنة وتلامذة وغيرهم، حتى أني أحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن تاريخ الطبري عند المسلمين أصح نقلًا من الإنجيل، ويعتمد عليه العاقل أكثر، مع أن التاريخ لا يجوز - عند المسلمين - أن يبنى عليه شيء من أمر الدين، وإنما هو حكايات في المجالس، ويقولون مع ذلك: الإنجيل كتاب الله أنزله إلينا، وأمر السيد المسيح باتباعه، فليت شعري أين هذا الإنجيل المنزل من عند الله تعالى؟! وأين كلماته من بين هذه الكلمات؟!) [1] .
بل إن اليهود أنفسهم قد اتفقوا على وقوع التحريف في كتابهم؛ كما ذكر ذلك عنهم شهاب الدين القرافي رحمه الله حيث قال: (طائفة من اليهود يقال لهم السامرية، اتفق اليهود على أنهم حرفوا التوراة تحريفًا شديدًا، والسامرية يدعون عليهم مثل ذلك التحريف، ولعل الفريقين صادقان، فأين حينئذ في التوراة شيء يوثق به مع تقابل هذه الدعاوى من فرق اليهود؟، فكفونا بأنفسهم عن أنفسهم) [2] .
ومن ذلك أيضًا أنهم يعترفون أن سبعين كاهنًا منهم اجتمعوا على تبديل ثلاثة عشر حرفًا من التوراة، وقد نقل ذلك ابن القيم رحمه الله بقوله: (واليهود تقر أن السبعين كاهنًا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفًا من التوراة، وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذي كانوا تحت قهرهم؛ حيث زال الملك عنهم ولم يبق لهم ملك يخافونه ويأخذ على أيديهم، ومن رضي بتبديل موضوع واحد من كتاب الله فلا يؤمن منه تحريف غيره، واليهود تقر أيضًا أن السامرة حرفوا مواضع من التوراة وبدلوها تبديلًا ظاهرًا وزادوا ونقصوا، والسامرة تدعي ذلك عليهم) [3] .
أما النصارى فقد ذكر ابن حزم رحمه الله أنهم متفقون على أن هذه الأناجيل التي بين أيديهم عبارة عن تواريخ ألفها أصحابها في أزمان مختلفة حيث يقول:
(النصارى لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله تعالى على المسيح، ولا أن المسيح عليه السلام أتاهم بها، بل كلهم أولهم عن آخرهم لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة) [4] .
أما ما يتعلق بالترجمة فإن التوراة قد ترجمت من العبرية إلى اليونانية والعربية، كما أن الأناجيل الأربعة قد كتبت بلغات متعددة، فإنجيل متى كتب بالعبرية، وأما مرقص ولوقا ويوحنا فقد كتبت أناجيلهم باليونانية [5] ، ومعلوم أن التوراة والإنجيل إنما نزلت بلغة موسى وعيسى عليهما السلام وهي العبرية، ثم ترجمت بعد ذلك إلى غيرها من اللغات [6] .
(وإذا أخذنا في الحسبان الاعتبارات التي من الممكن أن تحول مسار واتجاه الترجمة؛ نخرج بنتيجة أن هذه الترجمة لا يمكن أن تكون مماثلة ومطابقة للأصل الذي نقلت منه، ومن هذه الاعتبارات ما يلي:
1 -إذا فقد الإيمان، وفقد الضمير الحي الذي يؤرق صاحبه عند المخالفة؛ عندئذ لا يستبعد حصول التجاوزات في الترجمة.
2 -تأثر الترجمة قوة وضعفًا بسبب قوة وضعف المترجم في معرفة وفهم اللغة المنقول منها والمنقول إليها.
3 -أن الترجمة تصبغ بصبغة المترجم؛ لأنه من غير المعقول أن يتخلى المترجم - حال الترجمة - عن عقيدته وماضيه وثقافته وتطلعاته، وهذه كلها أمور تدفع المترجم لأن يصوغ الترجمة بالصيغة التي تميل إليها نفسه.
(1) (( الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود والنصارى ) ) (ص: 51) .
(2) (( الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود والنصارى ) ) (ص: 116) .
(3) (( هداية الحياري ) ) (ص: 101) .
(4) (( الفصل ) )لابن حزم (1/ 251) باختصار.
(5) (( الفصل ) )لابن حزم (1/ 251، 252) .
(6) (( الجواب الصحيح ) ) (5/ 123) .