ويمكن الاستدلال لها بما حدث بين موسى عليه السلام وفرعون، كما قص الله تعالى ذلك في القرآن فقال آمرًا موسى وهارون عليهما السلام: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء: 16 - 33] .
ومعلوم أن فرعون قد ادعى أنه ربهم الأعلى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: 24] .
فهو وإن كان يتظاهر بذلك إلا أنه في باطنه يقر بربوبية الله على خلقه. كما قال الله عنه ومن حوله من الملأ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: 14] . والآيات ساقها الله تعالى للرد عليه في هذه الدعوى التي تظاهر بها، ولذلك لما حاجه موسى عليه السلام بالآيات الظاهرة قال له: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: 29] فأصر على موقفه وعناده - فدعاه موسى عليه السلام لبرهانين عظيمين وهما قلب العصا ثعبانًا وإخراج اليد بيضاء بعد ضمها فلو كان ذلك لا يدل على مطلوب موسى عليه السلام وإبطال دعوى فرعون لما دعاه إليه موسى عليه السلام، بل إنه سماه مبينًا فقال: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ [الشعراء: 30] .
فتقرر من هذا النص أنه يمكن إثبات ربوبية الله ووجوده بالآيات المعجزات وإن لم يكن المخاطب مقرًا بذلك ومن ثم يقوم لله بالعبادة.
وأما إن كان المخاطب مقرًا بوجود الله بفطرته التي لم تتغير فإنه بالآية والمعجزة تتقرر عنده النبوة والوحدانية في الإلهية كما قال الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود: 13 - 14] ، فهذا نص واضح على أنه بالآية - وهي هنا معجزة القرآن - تثبت وتتقرر الرسالة والوحدانية ضرورة [1] ومعلوم أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، فإذا ثبت الأول ثبت الثاني تضمنًا، ضرورة ثبوت المتضمن بثبوت المتضمن. فثبت أنه يمكن إثبات الربوبية بآيات الأنبياء.
الوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها:
أولًا: العلوم:
(1) انظر: (( مجموع الفتاوى ) ) (11/ 379) .