فهرس الكتاب

الصفحة 2235 من 4009

وحرم عليهم دخول الجنة، فقال تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: 72] .

وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحييون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال خطاياهم - فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة ... ) )الحديث. [1] .

من هذه النقولات والأدلة يتبين لنا أن أهل السنة والجماعة مجمعون على أبدية النار وعدم فنائها .. وقد صرح شيخ الإسلام بنقل الاتفاق عن سلف الأمة وأئمتها على ذلك، ولهذا لم يعقب على الأشعري عندما نقل كلامه في (درء تعارض العقل والنقل) فقال - رحمه الله -: (قال الأشعري: قال أهل الإسلام جميعًا: ليس للجنة والنار آخر، وأنهما لا تزالان باقيتين) [2] ، وكذلك في كتاب نقد مراتب الإجماع فقد نقل ابن حزم - رحمه الله - الاتفاق على: (أن النار حق، وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية) [3] . فلم يعقب شيخ الإسلام على ذلك ولم ينقد نقله لهذا الاتفاق، مع نقده لمسائل كثيرة نقل ابن حزم فيها الإجماع.

وقد اشتهر عن شيخ الإسلام القول بفناء النار .. !!

والجواب عن ذلك من وجوه:

أولًا: أن هذا الذي اشتهر، لو سلمنا بصحته عن شيخ الإسلام - ولم ينقل نص صريح بذلك عنه - فإن غاية ما فيه رأي رآه في أول حياته ثم تبين له خلافه، وذلك جمعًا بين ما ثبت عنه من نقل الاتفاق على عدم فناء النار وما ينسب له من القول بفنائها، ولا يمكن أن ينقل الاتفاق على ذلك ثم يقول بخلافه .. !! وقد قال شيخ الإسلام بحياة الخضر [4] ثم تبين له بعد ذلك الصواب في خلافه فقال - رحمه الله: (والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت) [5] .. ولهذا قال الألباني - رحمه الله - في مسألة فناء النار واعتماد شيخ الإسلام على بعض الآثار الضعيفة: (ولعل ذلك كان منه إبان طلبه للعلم، وقبل توسعه في دراسة الكتاب والسنة، وتضلعه بمعرفة الأدلة الشرعية) [6] .

ثانيًا: لو قال قائل إننا لا ندري أي القولين قبل الآخر .. !!، فلا يقال إن هذا رأي رآه في أول حياته ثم تبين له خلافه .. !!

... هب أن الأمر كذلك .. فلقد رسم الله عز وجل لنا قاعدة عظيمة محكمة وذلك بقوله: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: 7] ، فإذا ورد نصان أحدهما محكم لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والآخر متشابه يحتمل أكثر من معنى فإن حال الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم فيصبح الكل محكمًا، قال محمد بن جرير الطبري - رحمه الله: (وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها: ما احتمل من التأويل أوجها) [7] .

(1) رواه مسلم (185) .

(2) (( درء تعارض العقل والنقل ) ) (2/ 358) .

(3) (( مراتب الإجماع ) ) (ص: 268) .

(4) (( مجموع الفتاوى ) ) (4/ 339) .

(5) (( مجموع الفتاوى ) ) (27/ 100) .

(6) (( مقدمة رفع الأستار ) ) (ص: 25) .

(7) (( تفسير الطبري ) ) (3/ 174) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت