فهذه الآيات جاءت بعد أن ذكر الله إهلاكه لفرعون وقومه وذهاب ملك سبأ وإهلاك ثمود قوم صالح عليه السلام وإهلاك قوم لوط عليه السلام ووجه المناسبة كما قال ابن جرير رحمه الله: (قل يا محمد لهؤلاء الذين زينا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون: آلله الذي أنعم على أوليائه هذه النعم التي قصها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التي ذكرها لكم فيها خير أما تشركون من أوثانكم التي لا تنفعكم ولا تضركم ولا تدفع عن أنفسها ولا عن أوليائها سوءًا ولا تجلب إليها ولا إليهم نفعًا؟ يقول: إن هذا الأمر لا يشكل على من له عقل، فكيف تستجيزون أن تشركوا عبادة من لا نفع عنده لكم ولا دفع ضر عنكم في عبادة من بيده النفع والضر وله كل شيء؟ ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديد نعمه عليهم) [1] . ثم ذكر الآيات وتفسيرها. وقد بين الله تعالى خصائص ربوبيته في هذه الآيات الدالة على أنه المعبود وحده - وأن ما سواه لا يستحق شيئًا من العبادة، فإنه كلما ذكر شيئًا من خصائصه قال: أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ أي يقدر على ذلك أو يفعله؟ والجواب: لا. وإذا كان كذلك كان هو المستحق لأن يعبد وحده، ولذلك نص الله على ذلك بقوله تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بعد أن ابتدأ الآيات بقوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ثم بين تعالى عجز كل من يدعي شيئًا من خصائص ربوبيته لغيره تعالى فقال آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.
وبعد هذا التقرير يظهر جليًا أن التوكل والاستعانة ونحوها إنما تكون بالله رب الأرض والسموات الذي بيده الأمر كله - وهذا هو الذي تقتضيه الفطرة السليمة - فإن الذي خلق وقدر وهدى والذي بيده ملكوت كل شيء هو الذي يتوكل عليه ويستعان به وحده - وأن الذي أنعم على الحق بأنواع النعم التي لا تعد ولا تحصى كما قال الله تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: 18] هو الذي يشكر ويحب لما أنعم به وهو الذي يرجى ويرغب إليه وحده. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - 1/ 107
(1) (( تفسير الطبري ) ) (19/ 483) .