فهرس الكتاب

الصفحة 2349 من 4009

وكذلك فإن الكافر لا يكون مطيعًا لأنه فعل ما هو مراد لله كونًا، لأن الكفر قد نهى الله عنه، ولا يلزم من كونه - تعالى - أراد أمرًا أن يكون محبوبًا له، وهذا كما أنه تعالى خلق كثيرًا من الشرور وهي مبغضة له غير محبوبة، ولكن خلقها لأنها تفضي إلى محبوبات له كثيرة, وأقرب مثال إلى ذلك خلق الله لإبليس لعنه الله الذي هو مادة الفساد في الأديان والأعمال والاعتقادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد, ومع ذلك فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه, ووجودها أحب إليه من عدمها منها: ظهور أسمائه القهرية مثل: القهار، والعدل، والضار، والشديد العقاب. ومنها ظهور أسمائه المتضمنة لحلمة وعفوه ومغفرته. ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس ما وجدت، كعبودية الجهاد، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعبودية الصبر ومخالفة الهوى ... إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن تعدادها وحصرها [1] .

السؤال الخامس:

وخلاصة هذا السؤال: إذا كان الكفر بقضاء الله، فيلزم عدم الرضا بقضاء الله وقدره.

وجوابه كما يلي:

1 -أن يقال: إننا لا نسلم بأن الرضا واجب لكل المقتضيات، ولا دليل على وجوب ذلك من كتاب ولا سنة، ولا قاله أحد من السلف والله - تعالى - أخبر بأنه لا يرضى بأمور مع أنها مخلوقة له، فهو - سبحانه - يكره أمورًا كثيرة ويبغضها ويمقتها، وقد أمرنا الله أن نكرهها ونبغضها, وذلك كالكفر والمعاصي وغيرها [2] .

وقد تنازع الناس في الفقر والمرض والذل، هل يجب الرضا به أم يستحب على قولين، والراجح أنه لا يجب بل هو مستحب وإنما أوجب تعالى الصبر على ذلك [3]

2 -ويقال أيضًا: المسألة تحتاج إلى تفصيل.

أ- فالقضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه, وكتابه, وتقديره, ومشيئته, فالرضا به واجب لأنه من تمام الرضا بالله ربًا, وإلهًا, ومالكًا, ومدبرًا.

ب - أما الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، ففيه تفصيل، لأن القضاء نوعان: ديني وكوني. فالديني: يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، أما الكوني: فمنه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب [4] .

3 -وقد قيل في الإجابة: إن المقدورات لها وجهان: وجه يرضى بها منه وهو إضافتها إلى الله خلقًا ومشيئة، ووجه فيه تفصيل وهو تعليقها بالعبد، فمنه ما يرضى به كالطاعات، ومنه مالا يرضى به كالكفر غير المفعول [5] .

وهذان الجوابان فيهما ضعف، فيحتاجان إلى إيضاح، فنقول: من المعلوم أن لله في خلقه حكمًا عظيمة، وقد خلق تعالى الشرور والمفاسد لكونها تفضي إلى محبوبات لله كثيرة، فيقال: العبد يجب عليه أن يكره الذنوب ويبغضها لأن الله تعالى يبغضها ويمقتها, ويجب عليه أن يرضى بالحكمة التي خلقها الله لأجلها فهي من جهة فعل العبد لها مكروهة مسخوطة, ومن جهة خلق الرب لها محبوبة مرضية، لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة فنرضى بقضاء الله وقدره [6] .

السؤال السادس: وخلاصته: ما الفائدة من التكليف مع سبق الأقدار؟

وجوابه من وجوه:

(1) انظر: (( شفاء العليل ) ) (ص: 236) وما بعدها.

(2) انظر: (( شرح العقيدة الطحاوية ) ) (ص: 287) ، وانظر: (( منهاج السنة ) ) (2/ 49) .

(3) انظر: (( منهاج السنة ) ) (2/ 49) .

(4) انظر: (( شفاء العليل ) ) (ص: 278) .

(5) انظر: (( شفاء العليل ) ) (ص: 278) ، وانظر: (( منهاج السنة ) ) (2/ 51) .

(6) انظر: (( منهاج السنة ) ) (2/ 50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت