قال الإمام أحمد: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على المقابر فقال: (( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) ) [1] ، وقد نعيت إليه نفسه أنه صائر إلى الموت، وفي قصة صاحب القبر (( عليه حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ) ) [2] ، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا ) ) [3] ، وفي مسألة الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم أحدنا يصبح جنبًا يصوم فقال: (( إني لأفعل ذلك ثم أصوم ) )فقال: إنك لست مثلنا أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، فقال: (( والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ) ) [4] ، وهذا كثير وأشباهه على اليقين.
(ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان فقال: قول وعمل، فقال له: يزيد، قال: يزيد وينقص. فقال له: أقول مؤمن إن شاء الله؟ قال نعم، فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك. قال: بئس ما قالوا. ثم خرج فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: نعم. قال هؤلاء مستثنون، قال له: كيف يا أبا عبدالله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل فلم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، فقيل له: فيستثنى في الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، استثني على اليقين لا على الشك، ثم قال: قال الله عز وجل: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27] فقد علم تبارك وتعالى أنهم داخلون المسجد الحرام) [5] .
قال شيخ الإسلام - معلقًا على كلام أحمد هذا منبهًا على ما فيه من فوائد: (فقد بين أحمد في كلامه أنه يستثني مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، يقوله بلسانه وقلبه لا يشك في ذلك، ويستثني لكون العمل من الإيمان وهو لا يتيقن أنه أكمله بل يشك في ذلك، فنفى الشك وأثبت اليقين فيما يتيقنه من نفسه وأثبت الشك فيما لا يعلم وجوده، وبيّن أن الاستثناء مستحب لهذا الثاني الذي لا يعلم هل أتى به أم لا، وهو جائز أيضًا لما يتيقنه، فلو استثنى لنفس الموجود في قلبه جاز كقول النبي صلى الله عليه وسلم:(( والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله ) ) [6] وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل وهو أخشانا، فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا لله، بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله، كما يرجو المؤمن إذا عمل عملًا أن يكون الله تقبله منه ويخاف أن لا يكون تقبله منه) [7] .
(1) جزء من حديث رواه أحمد (2/ 300) (7980) . والحديث رواه مسلم في صحيحه (607) . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) جزء من حديث رواه أحمد (6/ 139) (25133) . من حديث عائشة رضي الله عنها. قال المنذري في (( الترغيب والترهيب ) ) (4/ 278) ، والسيوطي في (( شرح الصدور ) ) (193) : إسناده صحيح، والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (1968) .
(3) رواه أحمد (2/ 426) (9500) . والحديث رواه مسلم (512) . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) رواه أحمد (6/ 67) (24430) . والحديث رواه مسلم (2649) . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) رواه الخلال في (( السنة ) ) (3/ 595، 596) .
(6) رواه أحمد (6/ 67) (24430) . والحديث رواه مسلم (2649) . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) (( الفتاوى ) ) (7/ 452) .