(إن الكافر الذي أجمعوا على أنه لا يؤمر بقضاء ما ترك من الصلاة هو الكافر الذي لم يسلم قط، ثم أسلم، فإنهم أجمعوا على أنه ليس عليه قضاء ما ترك من الصلاة في حال كفره ... فأما من أسلم ثم ارتد عن الإسلام، ثم رجع فإنهم قد اختلفوا فيما ضيع في ارتداده من صلاة وصيام وزكاة وغير ذلك، فكان الشافعي يوجب عليه قضاء جميع ذلك) . [1]
ثم قال: - (فإذا ترك الرجل صلاة متعمدًا حتى يذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك اختلافًا، إلا ما يروى عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه، وجعل توبته، وقضاءه إياها رجوعًا منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها) . [2]
وقال أبو الوفاء ابن عقيل:- (من كان كفره بترك الصلاة، لا بترك كلمة الإسلام، فهو إذا عاود فعل الصلاة صارت معاودته للصلاة إسلامًا) . [3]
وقال ابن تيمية: - (من كفر بترك الصلاة: الأصوب أن يصير مسلمًا بفعلها، من غير إعادة الشهادتين؛ لأن كفره بالامتناع كإبليس) . [4]
والآن ننتقل إلى مناقشة أجوبة القائلين بعدم التكفير لأدلة الفريق الأول.
1 -فأما حملهم أحاديث تكفير تارك الصلاة على كفر النعمة، فهذا غير مستقيم، ولا يخفى ما فيه من تكلف .. فهل يسوغ أن يكون معنى حديث جابر بين الرجل وبين كفر النعمة ترك الصلاة؟ لقد بين الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله فساد هذا القول عند أهل اللغة، ثم علل ذلك قائلًا: - (وذلك أنهم(أي العرب) لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر عن نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد منَّ الله عليه بالسلامة وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا إن كان ذلك فيما بينهم وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه، ينبئك عن ذلك مقالة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: - (( إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير - يعني الزوج - وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: - ما رأيت منك خيرًا قط ) ) [5]
فهذا ما في كفر النعمة) [6] .
وأما قولهم إنه كفر دون كفر، فقد سبق بيان أن الكفر جاء معرفًا كما في حديث جابر مما أفاد التخصيص والعهد، وفرق بين هذا وبين كفر منكر ...
إضافة إلى ذلك فإن حديث بريدة مرفوعًا: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) )قد جعل الصلاة حدًا فاصلًا بين المسلمين عن غيرهم، ولا يتصور أن يكون كفرًا دون كفر؛ لأنه لا يكون حدًا فاصلًا بين المسلمين والكافرين، فهناك من المسلمين من يقع في مثل هذا الكفر، وإن لم يكن مؤمنًا بإطلاق. [7]
2 -وأما قولهم إن الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة إنما هي على سبيل التغليظ والزجر الشديد لا على الحقيقة فظاهرها غير مراد.
فالجواب أن يقال: هذا كلام فيه إجمال وإيهام، فلا شك أن هذه الأحاديث فيها تغليظ وتخويف، وهي على الحقيقة، نؤمن بذلك ولا نكذب، ونمرها كما جاءت ونأخذ بظاهرها المفهوم منها، وإذا كان عامة السلف الصالح يقرون أحاديث الوعيد - فيما دون الكفر - ويمرونها كما جاءت، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود قائلها صلى الله عليه وسلم [8] ، فكيف ساغ لهؤلاء صرف نصوص تكفير تارك الصلاة عن ظاهرها، وجعله وعيدًا لا حقيقة له!
(1) (( تعظيم قدر الصلاة ) ) (2/ 980) .
(2) (( تعظيم قدر الصلاة ) ) (2/ 996) .
(3) (( بدائع الفوائد ) )لابن القيم (3/ 212) .
(4) (( الاختيارات الفقهية ) ) (ص32) .
(5) رواه البخاري (29) ، ومسلم (79) .
(6) (( الإيمان ) )لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص88) .
(7) انظر: (( رسالة ضوابط التكفير ) ) (ص203) .
(8) انظر: (( مجموع الفتاوى ) )ابن تيمية (7/ 674) .