وهذا هو مناط النزاع بين أهل السنة والمرجئة، الذين بنوا قولهم على أصول فلسفية نظرية تجريدية، وانتهوا إلى أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان وحقيقته، كما أنه ليس لازمًا له. بل يكون الإيمان عندهم كاملًا متحققًا في الباطن ولو لم يعمل الإنسان أي طاعة ولم يترك أي معصية كما صرحوا بذلك. وأصل خطئهم في مسمى الإيمان أنهم أرادوا أن يجعلوا للإيمان حدًا تعرف به حقيقته وماهيته التي لابد أن يستوي فيها جميع أفراد المعينين من المؤمنين، بحيث لا يقبل النقص ولا الزيادة [1] .
ولا يكون ذلك عندهم إلا بمعرفة المقومات الذاتية التي لا يمكن تحققه إلا بها، وبتخلف بعضها تنتفي حقيقة الإيمان وماهيته بالكلية. بخلاف الخواص العرضية - كما يقولون- التي ليست شرطًا في تحقيقه وإنما هي ثمرة من ثمراته.
يقول الرازي مستشكلًا كلام الإمام الشافعي في أن الفاسق لا يخرج من الإيمان، مع قوله إن العمل من الإيمان: قال الشافعي رضي الله عنه: الفاسق لا يخرج عن الإيمان، وهذا في غاية الصعوبة، لأنه لو كان الإيمان اسمًا لمجموع أمور فعند فوات بعضها فقد فات ذلك المجموع فوجب أن لا يبقى الإيمان [2] .
ثم نظروا بحسب هذه القاعدة إلى العمل، فوجدوا أن من نحكم بإسلامهم يختلفون في الالتزام به، وأن من ترك بعض الأعمال لا يحكم بكفره، ولم يجدوا حدًّا أدنى من الأعمال مشروطة لثبوت وصف الإسلام، ولم يفرقوا بين ما يشترط لتحقيق الإيمان وما يشترط لثبوت وصف الإسلام للمعين، فنفوا أن يكون الالتزام بالعمل داخلًا في أصل الدين بالكلية.
يقول أحدهم في ذلك: (الدرجة الثالثة: أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال بالجوارح، وقد اختلفوا في حكمه. فقال أبو طالب المكي: العمل من الإيمان ولا يتم دونه. وادعى الإجماع فيه. واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه، كقوله تعالى: الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إذ يدل على أن العمل وراء الإيمان، لا من نفس الإيمان، وإلا فيكون العمل في حكم المعاد. والعجيب أنه قد ادعى الإجماع في هذا ... وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر، والقائل بهذا قائل بعين مذهب المعتزلة [3] ، إذ يقال له من صدق بقلبه وشهد بلسانه، ومات في الحال فهل هو في الجنة؟ فلابد وأن يقول نعم، وفيه حكم بوجود الإيمان دون العمل [4] ، فنزيد ونقول لو بقي حيًا ودخل عليه وقت صلاة فتركها ثم مات أو زنى ثم مات فهل يخلد في النار؟ [5] .
(1) بل وأصل ضلال كل من خالف أهل السنة في مسمى الإيمان كما سبق بيانه.
(2) (( أصول الدين ) )للرازي (ص128) .
(3) هذا مما يدل على جهل هؤلاء بحقيقة قول السلف في مسمى الإيمان، فإن أهل السنة لا يلتزمون بقول المعتزلة ولا يلزمهم، وقد دخل سوء الفهم على هؤلاء من عدم تفريقهم بين جزء العمل وجنس العمل، وما هو المشروط في تحقيق أصل الدين عند أهل السنة منهما.
(4) وهل يكلف المؤمن بالعمل قبل أن يجب عليه؟ بل يعكس عليه السؤال ويقال لو بقي حيًا وامتنع عن العمل فهل يكفي مجرد إقراره، وهذا مناط النزاع.
(5) بدأ الآن في إبطال أن يكون للإيمان حد أدنى من الأعمال، وإذا ثبت ذلك عنده فليست الأعمال كلها شرطًا في أصل الدين، بناء على قاعدتهم في أن حقيقة الإيمان ثابتة، يستوي فيها جميع أفراد المعينين.