ويوضح ابن الوزير المقصود بالإجماع الذي يعتبر مخالفه كافرًا فيقول: اعلم أن الإجماعات نوعان: أحدهما: صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه، فهذا إجماع صحيح ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من الدين، وثانيها: ما نزل عن هذه المرتبة، ولا يكون إلا ظنًا، لأنه ليس بعد التواتر إلا الظن، وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالإجماع [1] .
-وإذا اتضح مفهوم إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، فإننا نشير إلى أن هذا الإنكار له عدة صور وأمثلة، فربما كان إنكارًا صريحًا ظاهرًا كأن يقول - مثلًا - بإنكار وجوب الصلاة أو الزكاة ... أو يقول بحل الربا، أو الخمر ... أو يقول بتحريم ما كان حلالًا بالإجماع كالخبز والماء ونحوهما ... ، وقد يكون الإنكار عن طريق تأويلٍ فاسدٍ غير سائغٍ تأباه اللغة العربية، كتأويل الباطنية القائلين: أن الفرائض: أسماء رجال أُمروا بولايتهم، والمحرمات: أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، فقد أجمع العلماء على كفر أصحاب تلك المقالة [2] ، وكذلك ما يزعمه ملاحدة الصوفية أن من وصل إلى درجة اليقين فقد سقطت عنه التكاليف [3] .
ومما يلحق بهذا الإنكار - في الحكم بالكفر - أن يعترف شخص ما بهذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة ... لكنه يعلن عدم قبوله لهذا الحكم، ويأبى أن يذعن لله تعالى، ويرفض الانقياد لهذا الحكم عنادًا واستكبارًا، وقد فصّل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلًا شافيًا فقال: إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه، فهذا ليس بكافرٍ، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه، أو أنه حرمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفّره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدّقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادّته تنافي هذا التصديق. وبيان هذا أن من فعل المحارم مُسْتَحلًا فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهو يكون لخللٍ في الإيمان بالربوبية، ولخللٍ في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبنيٍ على مقدمةٍ، وتارةٍ يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس؛ وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك، ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقرّ بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع ... [4] .
(1) (( إيثار الحق على الخلق ) ) (ص168) ، وانظر: (( العواصم والقواصم ) )لابن الوزير (4/ 171، 174، 178) .
(2) انظر: (( الشفا ) )لعياض (2/ 73) .
(3) انظر: (( الشفا ) )لعياض (2/ 73) ، و (( مجموع الفتاوى ابن تيمية ) ) (5/ 82) ، و (10/ 434، 435) ، و (( العبودية ) )لابن تيمية (ص65) ، و (( أضواء البيان ) )للشنقيطي (3/ 207) .
(4) (( الصارم المسلول ) ) (ص521، 522) ، وانظر: (( مجموع الفتاوى ) ) (20/ 96) .