فهرس الكتاب
وقد استنبط بعض الأئمة من نصوص قرآنية كفر من سب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. فقال الإمام مالك بن أنس: (من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه غل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا قوله تعالى: مَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ حتى أتى قوله: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ الآية [الحشر:7 - 10] ، فمن تنقصهم أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له في الفيء حق) [1] .
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: (لا حظ للرافضي في الفيء والغنيمة لقول الله حين ذكر آية الفيء في سورة الحشر، فقال وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ .. الآية) [2] .
(وقال أبو عروة - رجل من ولد الزبير: - كنا عند مالك، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية: - مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء حتى بلغ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ [الفتح:29] فقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية) [3] .
قال القرطبي - معلقًا على قول مالك: -
(لقد أحسن مالك في مقالته، وأصاب في تأويله، فمن تنقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته، فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين) [4] .
ولما ذكر أبو المعالي الألوسي هذه الآية مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ قال: (قال العلماء هذه الآية ناصة على أن الرافضة كفرة؛ لأنهم يكرهونهم، بل يكفرونهم والعياذ بالله تعالى) [5] .
وننبه هاهنا إلى أن قول مالك رحمه الله: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية، إنما يحمل على غيظ سببه ما كان عليه الصحابة من الإيمان والقوة والكثرة، قال تعالى: - مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] .
فكثرهم الله تعالى وقواهم ليكونوا غيظًا للكافرين، فمن غاظه حال الصحابة رضي الله عنهم لإيمانهم فهو كافر، كمن سبهم طعنًا في دينهم وعدالتهم، وأما إن وقع الغيظ من غير هذه الجهة، فليس بكفر، فقد جرت حروب بين الصحابة، ووقع من بعضهم غيظ وبغض لبعض، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بكفر أو نفاق.
(1) [10622] )) (( الحلية ) )لأبي نعيم (6/ 327) ، وانظر (( أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ) )لللالكائي (7/ 1268)
(2) [10623] )) (( السنة ) )للخلال (3/ 498) .
(3) [10624] )) (( الحلية ) )لأبي نعيم (6/ 327)
(4) [10625] )) (( تفسير القرطبي ) ) (16/ 96 - 297)
(5) [10626] )) السيوف المشرقة (مخطوط) ، (ق 238) .