قال الإمام النووي رحمه الله تعالى مبينًا المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: (( آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار ) ) [1] ، وفي الرواية الأخرى: (( لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله ) ) [2] ، وفي الأخرى: (( لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ) ) [3] ، وفي حديث علي رضي الله عنه: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) [4] .
(الآية: هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام، وعرف من علي بن أبي طالب رضي الله عنه قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب النبي صلى الله عليه وسلم له، وما كان منه في نصرة الإسلام، وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعليًا لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله - سبحانه وتعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم) [5] .
وقال الذهبي رحمه الله تعالى مبينًا العلة من جعله صلى الله عليه وسلم حب الأنصار علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق حيث قال: (وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حب علي رضي الله عنه من الإيمان وبغضه من النفاق، وإنما يعرف فضائل الصحابة رضي الله عنهم من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضًا، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئًا) [6] .
وقال العيني رحمه الله تعالى شارحًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (( آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ) ) [7] : (المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم، لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك، قالوا: وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة والمهاجرين بل في كل الصحابة إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة وغناء في الدين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق ويدل عليه ما روي مرفوعًا في فضل أصحابه كلهم:(( من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ) ) [8] .
(1) رواه البخاري (17) ، ومسلم (74) . من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) رواه مسلم (75) . من حديث البراء رضي الله عنه.
(3) رواه مسلم (76) . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) رواه مسلم (78) .
(5) (( شرح النووي على صحيح مسلم ) ) (2/ 63 - 64) .
(6) كتاب (( الكبائر ) )، (ص: 234 - 235) .
(7) رواه البخاري (17) . من حديث أنس رضي الله عنه.
(8) رواه الترمذي (3862) ، وأحمد (4/ 87) (16849) ، وابن حبان (16/ 244) (7256) . قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه الألباني في (( ضعيف سنن الترمذي ) ).