الجواب: هو ما ورد في (الشروط العمرية) التي نصت على حماية المسلمين وكفلت للذميين حقوقهم على أن يكونوا هم أيضًا متميزين بزيهم وديانتهم حتى لا يلتبس المسلم بالذمي: وينتج من ذلك خليط لا يعرف له اتجاه محدد وهوية خاصة. وهذه الشروط - كما يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية - منها: ما مقصوده التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس، والأسماء، والمراكب والكلام ونحوها ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر. ولم يرض عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز في عامة الهدي وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم، ولقد كان أمراء الهدى مثل العمرين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود. ومنها: ما يعود بإخفاء منكرات دينهم وترك إظهارها، كمنعهم من إظهار الخمر، والناقوس والنيران في الأعياد. ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم كأصواتهم بكتابهم.
ومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله [1] . وإليك نص هذه الشروط:
روى سفيان الثوري عن مسروق عن عبدالرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه (ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قلاية [2] ، ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤوا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من محضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين) [3] .
فإن خالفوا شيئًا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق [4] انتهى.
ولهذه الشروط طرق أخرى في روايتها، ولكنها كلها تلتقي عند هذا المعنى، ولذلك عقب ابن القيم رحمه الله على اختلاف تلك الروايات بقوله: وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها من بعده الخلفاء وعملوا بها [5] .
سبحان الله!!!
(1) [1093] )) انظر (( اقتضاء الصراط المستقيم ) ) (122 - 124) .
(2) [1094] )) القلاية: مبنى يبنيه النصارى كالمنارة ولا تكون إلا لواحد ينفرد فيها بنفسه ولا يكون لها باب، بل فيها طاقة يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه. انظر (( أحكام أهل الذمة ) ) (2/ 668) .
(3) [1095] )) رواه البيهقي في (( السنن الكبرى ) ) (9/ 202) , قال الذهبي في (( المهذب ) ) (7/ 3767) : فيه يحيى بن عقبة قال أبو حاتم: يفتعل الحديث وقال النسائي وغيره: ليس بثقة, وقال الألباني في (( إرواء الغليل ) ) (5/ 103) : إسناده ضعيف جدا.
(4) [1096] )) (( أحكام أهل الذمة ) )لابن القيم (2/ 661 - 662)
(5) [1097] )) (( أحكام أهل الذمة ) )لابن القيم (2/ 663) انظر (( اقتضاء الصراط المستقيم ) ) (ص12) .