وقوله عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: (( وبعثت إلى كل أحمر وأسود ) )فيه مزيد بيان لما قلناه، حيث إن رسالة من قبله من الأنبياء كانت لأقوامهم من البشر خاصة، وامتاز نبينا عليه الصلاة والسلام على غيره من الأنبياء بأنه قد بعث إلى الجن والإنس جميعًا، كما نص على ذلك الحديث المتقدم، وفي هذا دلالة على أنه لم يكن في الجن رسل منهم.
وأما من ذكر بأن الرسل السابقين قبل نبينا عليه الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى الإنس والجن جميعًا - كما ذكر الكلبي - فإن ذلك معارض بالحديث المتقدم، حيث اختص الرسول عليه السلام على غيره من الأنبياء بأنه بعث إلى الجن والإنس جميعًا، ولم يحصل هذا لغير نبينا عليه الصلاة والسلام.
ثالثًا: الإجماع:
قال الألوسي: (وادعى بعض قيام الإجماع على أنه لم يرسل إلى الجن رسل منهم، وإنما أرسل إليهم من الإنس) [1] . ولكن الفخر الرازي اعترض على هذا الإدعاء فقال: (وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع وهو بعيد، لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف) [2] ؟
القول الثاني: بأن في الجن نذرًا، وليس منهم رسل، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهم من السلف ...
قال القرطبي: (وقال ابن عباس: رسل الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي كما قال: وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) ثم قال: (وقال مجاهد: الرسل من الإنس والنذر من الجن ثم قرأ: إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) يقول القرطبي: (وهو - أي قول مجاهد - معنى قول ابن عباس، وهو الصحيح) [3] وقال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر) [4] وقال الإمام الطبري: (عن ابن عباس وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: 29] ، قال كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلًا إلى قومهم) [5] . وقال السبكي: (والذين خالفوا الضحاك في تمسكه بظاهر قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ [الأنعام: 130] . إنما يؤلون هذه الآية، فقد قال ابن عباس ومجاهد وابن جريج وأبو عبيد: معناه: أن رسل الإنس رسل من الله إليهم، ورسل الجن قوم من الجن ليسوا رسلًا عن الله، ولكن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلام رسل الله، الذين هم من بني آدم، وجاءوا إلى قومهم من الجن فأخبروهم، كما اتفق للذين صرفهم الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، فهم رسل عن الرسل، لا رسل عن الله تعالى، ويسمون نذرًا، ويجوز تسميتهم رسلًا، لتسمية رسل عيسى رسلًا في قوله تعالى: إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ [يس: 14] وجاء قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ على ذلك، فالرسل على الإطلاق من الإنس، وهم رسل الله، والنذر من الجن، وهم رسل الرسل ويجوز تسميتهم رسلًا) [6] .
وهذا القول هو التوجيه الآخر لفريق من الجمهور لقوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ وعلى هذا الأساس فهو لا يخالف رأي الجمهور، بل يؤيده ويدعمه.
وبناء على ما تقدم فإن القولين معناهما واحد، وهو أنه لم يبعث إلى الجن رسل منهم إلى الرسل من الإنس فقط، وأدلة الفريق الثاني هي نفس أدلة الفريق الأول.
(1) (( تفسير روح المعاني ) ) (8/ 28) .
(2) (( التفسير الكبير ) ) (13/ 195) .
(3) (( تفسير القرطبي ) ) (7/ 86) .
(4) (( طريق الهجرتين وباب السعادتين ) ) (1/ 416) .
(5) (( تفسير الطبري ) ) (26/ 31) .
(6) (( فتاوى السبكي ) ) (2/ 618) .