وفي هذه الظروف الحالكة انبعثت من قلب الصحراء الكبرى الأفريقية، قوة إسلامية، تدعو إلى التمسك بالِإسلام، مصدر قوة المسلمين، وتجدد جريان الحياة في تياره، باتخاذه دستوراَ يحكم حياة الإنسان في جميع نواحي الحياة.
فقد توجه يحي بن إبراهيم الجدالي- أمير جدالة- في جماعة إلى الحج (1) عام 440 هـ، وعرجوا في عودتهم على القيروان، واستمعوا إلى علمائها، وكانت في هذه الفترة قد نبذت المذهب الشيعي، وعادت إلى أهل السنة والجماعة، فاسترجعت مكانتها كقاعدة للمذهب المالكي في المغرب، فاتصلوا بأبي عمران موسى الفاسي شيخ المذهب المالكي (2) ، وطلبوا منه أن يرسل معهم عالمًا يعلمهم الدين، فأرسل معهم الشيخ عبد الله بن يِاسين الجزولي (3) وكان من حذاق الطلبة ومن أهل العلم والصلاح، واعتبر عمل هذا جهادًا لنشر تعاليم الإسلام الصحيحة بين الذين حرموا من نعمة المعرفة والعلم. فقام بدوره، فأخذ يفقه الناس ويعلمهم الشريعة، وأقام رباطاًَ يرجح إن مكانه في السنغال أو النيجر، والتف حوله جماعة من لمتونة إحدى بطون صنهاجه كجدالة من البرانس البربر؛ بلغ عددهم حوالي الألف رجل، أطلق عليهم اسم (المرابطون) نسبة إلى رباط عبد الله بن ياسين، حيث تلقوا فيه تكوينهم الديني والجهادي، وحوّلهم من رعاة إبل إلى جماعة من المجاهدين، يحملون عبء تبليغ الدعوة الإسلامية، وتصحيح مفاهيم العقيدة. وسمّوا بالملثمين أو الملثمة لاتخاذهم لثامًا داكن اللون يغطي الجزء الأدنى من وجّهوهم (4)
(1) المؤنس جـ104، الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى جـ 2 ص 6.
(2) ابن خلدون جـ6 ص373/ البيان المغرب جـ3 ص242 وأبو عمران أصله فاسي استوطن القيروان وحصلت له بها رئاسة العلم، أخذ عن كثير من علماء المشرق والمغرب، رحل إلى قرطبة والمشرق وحج ودخل العراق، أخذ عنه الكثير من أهل العلم. وتوفي عام 430 هـ (المؤنس- حاشية ص104) .
(3) المؤنس ص 104- 105.
(4) وقيل إن سبب اتخاذ لمتونة للثام: اتخاذهم في أعراسهم نوعًا خاصًا من الحجاب، أو لأنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم إن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال (انظر السلاوي-الاستقصا جـ 1ص 98-99، عنان-دول الطوائف ص299) .