فهرس الكتاب

الصفحة 21146 من 23804

ومرجع التلوين المذكور إلى تغيير الأسلوب، وذلك قد يكون بالعدول عن الخطاب الخاصّ إلى الخطاب العام، كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ} (1) فإنَّ الخطاب فيما قبله وهو قوله تعالى: {واتَّبِع مَا أُوْحِيَ إليْكَ مِنْ رَبِّكَ} (2) الآية كان خاصاًّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعلّ النكتة فيه التجنب عن مواجهته عليه الصلاة والسلام وحده بالنهي عن خلاف ما هو عليه من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن عليه الصلاة والسلام فحّاشًا ولا سبَّابًا، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيْرٍ} (3) .

وخصوص الخطاب قد يكون صورة لا معنى، فإنّ الخطاب في قوله

تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} وإن كان خاصًا بحسب الصيغة، لكنه عامّ معنى، فإن المخاطب به كلّ واحد ممن يقدر على الاستدلال من المصنوع على الصانع.

وقد يكون بصرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب، كما في قول جرير:

ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ

وَمِنْ عِنْدِ الخَلِيْفَةِ بِالنَّجَاحِ

أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّيْ

بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِيَاحِ

فإن [المخاطب] بالبيت الأوّل امرأته، وبالبيت الثاني الخليفة (4)

(1) من سورة الأنعام الآية: (108) .

(2) من سورة الأنعام الاية: (106) .

(3) من سورة البقرة الآية (107) وفي م:"وما لكم من دون من ولي ...".

(4) انظر: شروح سقط الزند 5/1902، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب الناشر الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة 1383هـ 1964م فإن صدر الأفاضل يرى هذا الرأي.

وقد أورد التفتازاني رأي صدر الأفاضل في عدم وجود الالتفات في هذين البيتين، ثم عقّب ذلك بقوله"فهذا أخصّ من تفسير الجمهور"المطوّل: 133 فكأنّه يرى أنّ هذا زيادة وتشدّد في شرط الالتفات لم يذكره الجمهور ولذا قال التفتازاني:"فقول أبي العلا:"

هل تزجرنّكم رسالة مرسل

أم ليس ينفع أولاك ألوك

فيه التفات عند الجمهور من الخطاب في (يزجرنكم) إلى الغيبة في (أولاك) بمعنى أولئك، وهو قال إنه إضراب عن خطاب بني كنانة إلى الإخبار عنهم ... » المطول 133 -134

وهذا الرأي تابعه المؤلف هنا في هذين البيتين، وأرى أنه وهم فالالتفات ظاهر في هذين البيتين لأنه قال في البيت الأول (من عند الخليفة) والاسم الظاهر بمنزلة الغيبة، ثم قال: (أغثني) فخاطبه، فهنا التفات من الغيبة إلى الخطاب، وإن كان الشاعر وجه الخطاب في البيت الأول إلى زوجته. فهذا لا يلغي الالتفات، لأن الخطاب موجّه في الحقيقة إلى الخليفة وليس إلى الزوجة. وإنّما هو يعرض أمام الخليفة ما قاله لزوجته وفي هذا تصوير لمدى الحاجة والعوز التي يحياها الشاعر هو وأهل بيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت