عدو ضربت عليه الذلة، وما سمعنا في دنيانا بقدر ما بلغنا عن خبرها منذ وجدت أن لأهل التيه مكان دائم، وأن لهم دولة وأرضًا، إلا لما أبطلنا آيات الجهاد وأوقفنا أسوة الرسول الذي سير ستين سرية وقاد بنفسه سبعة وعشرين جيشًا وقاتل بنفسه في تسع منها، نعم قامت لليهود أعداء ربهم وقتلة أنبيائه ومبغضوا أوليائه دولة، ودولة اقتطعت من أكبادنا، حدث ذلك لما نسينا الله فنسينا بتسليط أحقر خلقه وتمكينهم منا ليذيقنا وبال أمرنا، فهل من صلح مع الله وقد رأينا نذره وما أمسينا فيه، عسى أن يصلح أمرنا ويعيد إلينا عز أيامنا؟.. {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} ، والصدق هنا وعلى عمومه يشمل ثلاثة جوانب، صدق الاعتقاد وصدق القول، وصدق العمل، ونحن المخلوقين لا ندرك من غيرنا صحة الاعتقاد، فالقلوب يعلم ما بها العليم بذاتها، أو قد نتصور صدق المعتقد بقسم منه قد يصدق فيه وقد يكذب، ولكن الصدق في الآية هنا وصف من الله للذين عملوا بجوانب الخير المذكورة فلابد أنهم صادقون لما وصفهم الله بالصدق العليم بصدورهم، وصدق القول أظهر لنا من صدق الاعتقاد، حيث نستطيع مطابقة الخبر القولي للواقع العملي، ولكن ذلك يمكن أن يخالف، فقد يكون حريصًا على صدق قوله أمام الناس، وقد يكون عكس ذلك إذا غاب عنه الناس، لكن صاحب الصفات التي في الآية لما وصف بالصدق من ربه فيصبح بالتأكيد صادقًا أمام الناس أو في غيبتهم، والصادق في العمل أمامنا قد يكون قصده مراءاتنا أيضًا لنثني عليه حيث لا يرى إلا في مواضع الخير وأماكن التقوى، ولكن لا ندرى هل كان ذلك أمام الله أم لا؟ لكن في هذه الآية العظيمة، لما أصبح من أهلها ووصفه منزلها بالصدق، فهو إذًا باليقين صادق العمل، ومن هنا لما جمع جوانب الصدق الثلاثة يكون جمع الأسس الثلاثة جميعها التي في الآية (1) ، الاعتقاد القائم على الإيمان بالغيب فلا يشرك ولا يشك ولا يسأل (2) ، أخوة المجتمع الإسلامي القائمة على الترابط والتعاون