فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 248

جهتنا إنصافا له أن وراء اختياره من القراءات إلا ما استثناه منها، ودعوته إلى التقليل من الروايات والطرق والوجوه أشعارا بمقدار حرصه على الانضباط والاجتماع إلى أمر جامع في أصول القراءة والأداء يقتصر فيه على السائر المشهور من جهة، وعلى ما هو أسلس في المنطق وأيسر من جهة أخرى.

ونحن إذا وجهنا دعوة ابن العربي هذه الوجهة وعلى هذا التأويل وجدناه في حقيقته يلتقي مع المنحى الأثري الذي انتهجه قبله حافظ القراءات وقطب المدرسة الاتباعية بالمغرب أبو عمرو الداني، فلقد رأينا من منهجه في إيراد الخلاف أنه يذكر جملة ما قرأ به من وجوه فيقول مثلا: أقرأني أبو الفتح بكذا وأقرأني أبو الحسن بكذا، وقرأت على الخاقاني بكذا، ثم يقول: واختياري كذا، وربما عرض أوجه الخلاف أو سكت عنها، ثم يقول عن الوجه الذي ذكره: وبه قرأت وبه آخذ، وهو إعلام منه بوجود وجوه أخرى لم يقرأ بها أو لم يأخذ. وبذلك كان أبو عمرو مدرسة خاصة تقوم على الاختيار في دائرة المروي كما قدمنا بناء على مقومات الاختيار التي وصفناها في سياق حديثنا عن منهجه، كما كان لا سيما في كتاب «التيسير» يرسم المنهاج السليم لعرض مسائل الخلاف، مما ييسر به على القارئ الشادي معرفة المأخوذ به في الأداء، وذلك معناه رسم المعالم الواضحة للقراءة «الرسمية» التي ينبغي اعتمادها دون دخول في كثرة الخلاف وفي تشعبات الطرق والروايات.

ولعله لهذه الرغبة الملحاح في الانضباط على قراءة جامعة تلتقي على وجوه ثابتة متفق على القراءة بها للسبعة اقتصر رجال مدرسة أبي عمرو من كتبه في القراءة على كتاب «التيسير» لاختصاره ووفائه بالغرض في هذا الشأن،

فجعلوه محور نشاطهم في الإقراء، وعكفوا عليه في الجهات التي بلغها إشعاع مدرسته، وعلى الأخص في شرق البلاد الأندلسية حيث تصدر أصحابه الكبار في دانية وبلنسية ومرسية وشاطبة كما أسلفنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت