فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 248

ولعل القارئ الكريم قد أدرك إلى أي حد استطاع الشاطبي أن يفرض على الميدان اختيار مدرسته، وكيف تأتى له بسط نفوذها على غيرها حتى في

الآفاق المشرقية التي كان القراء المغاربة طالما شدوا الرحال إليها في طلب هذا الأمر، كما لعله أيضا لمس كيف تمكن من رسم المسار «الرسمي» للقراءة ومستقبلها في مواجهة اختيارات المدارس التي ظلت إلى زمنه في انتظار من يرسم لها معالم الطريق نحو الأخذ بأقوى المذاهب وأقومها في القراءة والأداء، احتياطا لكتاب الله، واكتفاء في قراءته وأدائه بالسائر المشهور من الروايات والطرق والوجوه، فكان ظهور الإمام الشاطبي رحمه الله في هذا العلم وفي هذا الطور بالذات، منعطفا عظيم الأهمية في تاريخ القراءات في المشرق والمغرب على السواء.

ولقد ظلت مدرسة الإمام الشاطبي منذ هذا العهد محورا للنشاط القرائي، وظلت الشاطبية قطب المدار في البلدان الإسلامية عامة لا يكاد يزاحمها على مقام الصدارة أثر أو يحد من سيطرتها كتاب.

إلا أن بعض المدارس الفنية قد بقي لها نوع من النفوذ في الميدان لا في مواجهة الشاطبية وتأثيراتها، ولكن في الإضافة اليها وتوسيع مدارك القارئين بمضمنها، مما رأينا أمثلة ونماذج وافية منه تمثلها القصائد والمؤلفات التي كتبت أو نظمت في تكملتها والزيادة عليها.

ومن أهمها فيما يخص المدرسة المغربية «تكملة الإمام القيجاطي» التى نظمها تذييلا على الشاطبية ومكملا لها بما جمعه في مسائل الخلاف من مذاهب الأئمة الثلاثة أبي علي الأهوازي صاحب «الوجيز» وأبي محمد مكي صاحب «التبصرة» وأبي عبد الله بن شريح صاحب «الكافي» ، وهو عمل من الإمام أبي الحسن القيجاطي يمكن أن نصنفه في اطار «المدرسة

التوفيقية» التي رأينا معالمها عند كل من أبى عبد الله بن شريح وأبي جعفر بن الباذش صاحب «الإقناع» ، الإمام القيجاطي هو الذي جدد هذا الاتجاه، واستطاع أن ينعش في غرناطة آخر القلاع العلمية الباقية من الأندلس في هذا الشأن في أواخر طور التلاقح بين مدارس الأقطاب اتجاهات هذه المدرسة، وأن يؤسس بها مدرسة فنيه خاصة يمكن تسميتها ب «المدرسة القيجاطية» ، وأن يدعم بها الاتجاه التوفيقي الذي يعتمد الأخذ بما صح في النقل والأداء من طرق من ذكرنا من الأئمة الثلاثة المذكورين إلى جانب اختيارات أبي عمرو الداني فيما أمسى يعرف عندهم ب «الجمع الكبير» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت