تلك منزلة الإمام الشاطبي قارئا ومقرئا ومؤلفا وإماما في الفن، ومكانته عميدا للمدرسة الأثرية الدانية التي يدين لها وتدين له بالفضل، وذلك مقامه أيضا رائدا للمدرسة المغربية في القراءة وعلومها في ديار المشرق، وثمرة زاكية من ثمارها اليانعة في عهد التلاقح بين مدارس الإقراء في المغرب والأندلس بعد اكتمال الوحدة بينهما وحدوث التلاقي بين عامة المؤثرات الفنية المنبثقة عن مدارس الأقطاب التي انتظمت خلالها مختلف المذاهب الأدائية التي تعزى إلى الأئمة القائمين على هذه الصناعة في المشرق والمغرب.
ولعلنا قد استطعنا من خلال ما عرضناه من آثار هذا الإمام وما كان لها من اشعاع علمي في مختلف العصور أن نقوم برسم المعالم البارزة في مدرسته، وأن نقدم للقارئ الكريم شخصيته العلمية الفذة كما عكستها الحركة النشيطة التي قامت على أعماله في هذا الشأن ولا سيما منها ما قام حول «حرز الأماني» التي كانت وما تزال دستور القراء وعمدة مدارس الإقراء.
ولعلنا أيضا قد تمكنا من تمثيل مستوى الثقل العلمي الذي نزل به الإمام الشاطبي في الميدان باعتباره رائدا لمدرسة أبي عمرو الداني في المشرق، وعميدا لهذا الاتجاه الفني والأدائي المتميز الذي ظل منذ ظهوره يعمل على الاحتواء على الساحة والهيمنة على غيره من الاتجاهات التي كان حملتها من طلاب المدارس المتفرعة عن «مدارس الأقطاب» يعملون دائبين على نشرها والدفع بها لاكتساب مزيد من البسطة والانتشار.
ولعل القارئ الكريم قد أدرك إلى أي حد استطاع الشاطبي أن يفرض على الميدان اختيار مدرسته، وكيف تأتى له بسط نفوذها على غيرها حتى في
الآفاق المشرقية التي كان القراء المغاربة طالما شدوا الرحال إليها في طلب هذا الأمر، كما لعله أيضا لمس كيف تمكن من رسم المسار «الرسمي» للقراءة ومستقبلها في مواجهة اختيارات المدارس التي ظلت إلى زمنه في انتظار من يرسم لها معالم الطريق نحو الأخذ بأقوى المذاهب وأقومها في القراءة والأداء، احتياطا لكتاب الله، واكتفاء في قراءته وأدائه بالسائر المشهور من الروايات والطرق والوجوه، فكان ظهور الإمام الشاطبي رحمه الله في هذا العلم وفي هذا الطور بالذات، منعطفا عظيم الأهمية في تاريخ القراءات في المشرق والمغرب على السواء.