وأنتم تعلمون أن هذه الآية لما نزلت وتلاها النَّبي صلى الله عليه وسلم كان في المجلس عدي بن حاتم الطائي، وكان من العرب القليلين الذين قرأوا وكتبوا؛ وبالتالي تنصَّروا؛ فكان نصرانيا؛ فلما نزلت هذه الآية لم يتبين له المقصد منها؛ فقال: يا رسول الله! كيف -يعني- ربنا يقول عنَّا نحن النصارى سابقًا {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [1] ؟ ما اتخذناهم أحبارنا أربابًا من دون الله -عزَّ وجلَّ- كأنَّه فهِمَ أنهم اعتقدوا بأحبارهم ورهبانهم أنهم يخلقون مع الله، يرزقون مع الله، وإلى غير ذلك من الصفات التي تفرَّد الله بها -عزَّ وجلَّ- دون سائر الخلق؛ فبيَّن له الرسول عليه السلام بأنَّ هذا المعنى الذي خطر في بالك ليس هو المقصود بهذه الآية؛ وإن كان هو معنى حقٌّ؛ يعني لا يجوز للمسلم أن يعتقد بأنَّ إنسانًا ما يخلق ويرزق؛ لكن المعنى هنا أدق من ذلك؛ فقال له: (( أَلَسْتُمْ كُنْتُمْ إِذَا حَرَّمُوا لَكُمْ حَلاَلًا حَرَّمْتُمُوهُ؟ وَإِذَا حَلَّلُوا لَكُمْ حَرَامًا حَلَّلْتُمُوهُ؟ ) )قال: أما هذا فقد كان؛ فقال عليه السلام: (( فَذَاكَ اتِّخَاذُكُمْ إِيَّاهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ ) ).
لذلك فالأمر خطير جدًّا استحسان بدعة المستحسن وهو يعلم أنه لم يكن من عمل السلف الصالح ولو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ قد حشر نفسه في زمرة الأحبار والرهبان الذين اتُّخِذُوا أربابًا من دون الله -عز َّوجلَّ-، والذين أيضًا يقلِّدُونهم؛ فهم الذين نزل في صددهم هذه الآية أو في أمثالهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [2] .
(1) [التوبة: 31] .
(2) [التوبة: 31] .