ولم يقتصر تأثير الحضارة الفينيقية في الحضارة اليونانية على الأبجدية والأرقام وحساب الجمّل، فحسب، بل تعداه إلى الكثير من المزايا الثقافية التي كانت تنتقل من الشرق إلى اليونان. فقد أخذ اليونانيون من شعوب الشرق الأوسط المختلفة التي أقامت حضاراتها وثقافاتها في ربوع الهلال الخصيب، كالبابلية والأكدية، والآشورية، والأوغاريتية، الإنجازات العلمية الكثيرة، مثل نظرية فيثاغورس، ورسم الأرقام، والأصول الأسطورية للتاريخ اليوناني، وفن التصوير الأسطوري، إضافة إلى العديد من العناصر الثقافية، والعلمية التي أدرجوها في ثقافاتهم ونسبت إليهم [1] .
وسيأتي دور الفينيقيين في اتّجارهم بورق البردي المصري ونقله إلى العالم المعروف إذ ذاك قبل أن يعمّ استعمال الرقوق.
وثانيتهما: لفظة: اليونانية أيضا، وتعني: الكتابة أو رسمها أو نقشها وعلم معرفتها، مثل قولنا: ببليوغرافي (مسرد أو جريدة عناوين الكتب) ، جيوغرافي (علم الجغرافية) ، طوبوغرافي (علم سطح الأرض) .
وقد كان هذا الاصطلاح (باليوغرافي) في بداية استعماله معنيّا بالبحث في الوثائق المزورة، وهو ما يسمى ب: «حرب الوثائق» ، وقد أسهبت القول فيه في كتابي: مقدمة في الوثائق الإسلامية [2] ، بيد أن هذا الاصطلاح اكتسب مفاهيم أخرى على مرور الزمن، فصار يعني: البحث في كل ما هو مكتوب، أو منقوش أو مرسوم، واختبار المواد المستعملة في هذه العمليات وإخضاعها للتحليل والتركيب. ومن ثم استنباط النتائج منها، فأصبح فنّا علميا، له قواعده وأصوله في البحث والاستنباط والاستقراء.
(1) انظر مثلا:. 1933. 2،،. ..
(2) مقدمة في الوثائق الإسلامية 51وما بعدها.