بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي المتوفى سنة 403هـ بشيراز، حين كان أمينا لها، وكان المصحف ينقص جزءا منها، فطلب منه بهاء الدولة إكماله، قال ابن البواب: «ودخلت الخزانة أقلب الكاغد العتيق وما يشابه كاغد المصحف، وكان فيها من أنواع الكاغد السمرقندي والصيني والعتيق كلّ ظريف، فأخذت من الكاغد الذي وافقني وكتبت الجزء وذهّبته وعتّقت ذهبه وقلعت جلدا من جزء من الأجزاء فجلدته به وجلّدت الذي قلعت منه الجلد وعتّقته، ونسي بهاء الدولة المصحف ومضى على ذلك نحو السنة، فلما كان ذات يوم جرى ذكر أبي علي ابن مقلة فقال لي: ما كتبت ذلك؟ قلت: بلى، قال: فأعطنيه، فأحضرت المصحف كاملا، فلم يزل يقلبه جزءا جزءا وهو لا يقف على الجزء الذي بخطي» [1] .
فمن هذا الخبر الذي رواه ابن البواب لهلال بن المحسّن الصابي، ومن كتابه المفاوضة نقله ياقوت الحموي، يستطيع الخبير في علم الاكتناه استنباط معلومات مفيدة، حول الوراقة في القرن الرابع للهجرة:
منها: أن الكاغد السمرقندي والصيني كانا موجودين في شيراز مع انتشار صناعة الكاغد في الحواضر الإسلامية، وأن الكاغد السمرقندي لم يزل يصنع حتى ذلك التاريخ، وأن استيراد الكاغد الصيني لم ينقطع أيضا إلى الأمصار الإسلامية، وهذا الأمر يؤكده خبر الوزير ابن الفرات المعروف بابن حنزابة المصري، الذي كان يستورد الكاغد السمرقندي كلّ سنة لاستعماله في نسخ الكتب لخزانته الخاصة [2] .
ومنها: ان أبن البواب لم يذكر أيّ نوع آخر من الكواغد التي كانت تصنع في أصفهان أو بغداد أو مكان آخر، واكتفى بقوله: «والعتيق» دون
(1) معجم الأدباء 15/ 124122.
(2) معجم الادباء 7/ 177176.