سياسيا واقتصاديا طوروا الخط الآرامي وولدوا منه الخط الذي عرف بالخط النبطي كما نرى ذلك واضحا في النقوش المرفقة، وهو كأي مظهر حضاري لا بد أن يعتريه التطور، إذ إنه بدأ خطا آراميا يميل الى التربيع، ثم ابتعد بمرور الزمن شيئا فشيئا عن التربيع إلى التدوير، ولم يزل يتطور حتى بدأ يأخذ أشكالا بعيدة تماما عن الخط الآرامي، ويقترب جدا من الخطوط العربية الجاهلية التي تعلمها عرب الحجاز منهم نظرا لأن عرب الأنباط كانوا أعرق في الحضارة منهم، بيد ان الجوار والاتصال الدائم والمباشر معهم في رحلاتهم المستمرة إلى الشام فرض التعاون، والتعاون لا يتم إلا بعد تجاوب ينشأ عن العنصرين اللذين تتولد منهما العلاقات بين الشعوب: العنصر المادي والعنصر الروحي لأنهم كما قلنا كانوا يشاركون قريشا في آلهتهم وبالتالي لغتهم.
إنّ تطور الخط العربي من الخط النبطي لم يكن ظاهرة بشرية فريدة في التاريخ، فإن هيرودوتس يحدثنا عن الكتابة اليونانية، فيقول: «لقد أدخل الفينيقيون إلى بلاد اليونان مجموعة كبيرة من مختلف الفنون، وكان من بينها الكتابة، وهو على حد علمي ما لم يكن يعرفه الإغريق من قبل. وفي البداية جعل الإغريق حروفهم كالحروف الفينيقية تماما، ولكن لغتهم بمرور الزمن أخذت تتغير شيئا فشيئا وتغيرت تبعا لها أشكال الحروف» [1] . فهذا ما يقوله مؤرخ يوناني، وهذا بالضبط ما حدث للخط النبطي وللأرقام النبطية التي يستعملها المشرق العربي.
(1) قصة الكتابة والطباعة لفرانسيس روجرز، ترجمة احمد الصاوي، القاهرة 1969م، 101.