ومن غير المقبول عقلا أيضا أنهم، وقد بلغوا ما بلغوا من السمو الحضاري والتجاري، ثم لم يستعملوا أرقاما معينة خاصة بهم في الحساب، مما تفرضه المعاملات التجارية عليهم، فقد كان منهم تجار يهبطون الأسواق العالمية في الإسكندرية وفي الشام واليونان والعراق والحبشة والهند فالشؤون التجارية تستلزم القدرة على الكتابة والقراءة والحساب، لمعرفة نوع البضاعة وثمنها ومقدار رأس المال ومبلغ الربح والخسارة.
ولا يمكننا أن نفترض، أن كل تاجر نبطي كان يمتاز بذاكرة تغنيه عن تقييد أعماله وحساباته وكل ما يحتاج إليه العمل التجاري، ولا سيما أن أكثر الذين يتنقلون بين الأسواق كانوا يتاجرون برأس مال مشترك أو لحساب غيرهم.
بل إن الثابت من النقائش أنهم استعملوا الأرقام إضافة إلى حساب الجمل فعلا، فانتقلت هذه الأرقام مع الخط إلى الهند وإلى عرب الحجاز قبل الإسلام، ومن ثمّ إلى البلدان الإسلامية الأخرى بعد الفتوح، بعد أن مرت بفترات طويلة من التطور والتغيير.
وهذا يتفق مع ما رواه النديم والبيروني عن الأرقام التي عرفوها في الهند والسند، فقد ذهب بعض من درس اللغات الهندية إلى أن البرهمية الهندية التي تعدّ أمّ الأبجديات الهندية تكتب من اليسار إلى اليمين نتيجة التأثير الفينيقي، وأن الأبجدية الخارستية الهندية تكتب من اليمين إلى اليسار نتيجة لتأثير اللغة الآرامية [1] ، والآرامية هنا بمعنى النبطية، لأن الأنباط هم الذين كانوا يتاجرون مع الهند عبر البحر الأحمر، ومن خلال ميناء جرها الذي قيل: إنه ثاج الآن [2] ، بعد انحسار مياه الخليج العربي وتراجعها عنه،
(1) الأرقام العربية لمحمد عبد الحكيم يونس بخاري 33.
(2) مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية لبوتس 17.