النصوص بكارثة أصحاب دكاكين النشر الذين دفعهم حبّ المال العاجل على حساب سلامة النص وتوثيقه، فأغرقوا السوق بمصورات الطبعات السقيمة، وليتهم اقتصروا على إخراج الطبعات القديمة النفيسة الموثوق بها التي أصبحت في طبقة المخطوطات حتى وإن كانت خالية من الفهارس. فإنّ سلامة نصوصها تشفع لها أمام هذا السيل العرم من النصوص المشوهة، التي يزعم ناشروها تحقيقها. والتي يقف المحقق إزاءها حائرا قلقا وجلا من تفشي الاستهتار بهذا التراث النفيس. فقد لعب فقدان التدريب على أصول التحقيق والكسل وقلة الاهتمام واستغفال القارىء والسرعة في إنجازها طلبا للمال العاجل دورا عجيبا في تشويهها، بل إن بعض دكاكين النشر التي صوّرت جملة من النصوص أو أعادت طبعها زادت الأمر سوءا، فشاع فيها التحريف والتصحيف والأوهام، إذ قلّ أن تجد نصا سليما منها موثوقا يعتمد عليه المحقق، ومن ثمّ خلوها من الفهارس الكاشفة الشاملة التي تعين المحقق على الوصول إلى ما يبحث عنه من علم أو خبر، بل وحتى تلك التي ألحقت بها فهارس مثل طبقات ابن سعد التي نشرتها دار صادر ببيروت لا تحتوى إلا على مختارات من الأعلام والأماكن. فإنّ الجهل الغالب على هؤلاء في اتباع الأصول التحقيقية في الإشارة إلى المصادر وطبعاتها وأماكن وسني طبعها وأرقام صفحاتها، بل حتى النسخ المخطوطة التي اعتمدوا عليها في النشر أهملوا ذكرها، مما يدمي قلب الحريص، فقد يكتفي الناشر بقوله:
انظر: شرح المواهب أو قال الزمخشري أو البخاري، دون أن يلحق الكتاب بمسرد للمصادر التي استعملها، حتى يتسنى لنا التأكد من نقله أو الطبعة التي أحال عليها، فكم هناك من شرح للمواهب؟ وكم من كتاب للزمخشري؟ وكم طبعة أخرجت من الصحيح؟