ومن طرائف التصحيفات المتواترة التي مرّت عليّ، تصحيف حدث في كتاب معجم البلدان لياقوت فنقله منه الفيروز آبادي في كتاب المغانم المطابة ومن الفيروز آبادي نقل السمهودي في كتابه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، في كلامهم على بئر حاء في المدينة الشريفة، فقالوا: «أنكر أبو بكر الأصم» ، بيد أنّ الجملة جاءت على الصواب في كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض [1] ، ومنه نقل ياقوت، بصيغة: «أنكر أبو ذر الضمّ» وهو الصواب، وأبو ذر: هو عبد بن أحمد المعروف بابن السماك الهروي المالكي المتوفى سنة 434هـ شيخ أبي الوليد الباجي [2] هو المقصود، أما أبو بكر الأصم فهو شيخ المعتزلة ببغداد المتوفى سنة 201هـ [3] ، فلا علاقة له بذلك، فحدث التصحيف في إحدى نسخ معجم البلدان فنقل منها الفيروز آبادي ومنه نقل السمهودي دون أن يدركا الفرق بين الاسمين.
بل الطريف أن يقرأ أحدهم نصا واضحا فيشوهه فيضحك منه المحزون ويبكي منه العالم، فقد قرأ أحدهم النص: = الزنا عمّ والربا طمّ في الآفاق، = فقال هذا العلامة والجهبذ الفهامة: = الزناعم والرباطم في الآفاق = والويل لمن يردّ عليه.
ومثل هذه الطامات الموجعة للقلب في النصوص المنشورة كثيرة جدا، نبّه على بعضها جهابذة اللغة في مقالات كثيرة منشورة في المجلات المعتبرة، مثل مجلة العرب، ومجلة عالم الكتب، ومجلة المورد، ومجلة المناهل، ومجلة معهد المخطوطات، ومجلات المجامع العربية اللغوية وغيرها.
والعجب أنها تتكرر وتزداد شدة وكثرة في أسطوانات الألفيات دون خجل أو وازع من أخلاق، أو رادع من أمانة.
(1) مشارق الأنوار 1/ 312.
(2) سير أعلام النبلاء 17/ 554مع مصادر ترجمته.
(3) سير أعلام النبلاء 9/ 402.