فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 537

والظاهر أن هؤلاء اتبعوا هذه الطريقة لسهولتها، ورغبوا عن الأخرى لما تتطلبه من صبر وعناء في زمن قلّ فيه من يتمتع بهما، لهذا جنحوا إلى الإسراع في نسخ المخطوطة، أو عهدوا بها إلى كاتب طابعة (لم يعرف الكمبيوتر إذ ذاك) وأسرعوا بها إلى أقرب ناشر أو مؤسسة نشر لتظهر أسماؤهم لامعة على صفحة الغلاف، ولهذا كثرت فيها الأخطاء وشاع التصحيف، حتى وصل الأمر ببعض المحققين الذين كتبوا في أصول

التحقيق [1] : أنه استصوب الخطأ واستخطأ الصواب أو نفى وجود المشهور [2] ، وهذه العلة التي يقع فيها المحققون تكمن في السرعة في الإنجاز وقلة البحث والتنقير، وضحالة الخلفية العلمية، ونفاد صبر الناشر المستعجل الشره لقبض الثمن.

إن إخراج النص كما رأى شكري فيصل رحمه الله وإيانا يحتاج إلى أن ينظر المحقق فيه وفيما حوله، أن يدلّ على المنازع التي صدر عنها، وأن يتولى محققو النصوص بالذات عمليات الشرح الأولى هذه لكي تصبح جاهزة للبحث الأدبي الصرف، أو للبحث التاريخي الصرف أو لهما معا تتيح للباحث أن ينطلق بعد ذلك منها دون أن يضطر إلى معاودة الجهد الذي بذله المحققون [3] .

فتحقيق النص إذا ليس عملية نسخ آلي يقوم به من شاء، بل هو عملية خلق وإعادة للحياة على الصورة التي أرادها المؤلف نفسه، وأنه لا يستلزم معرفة المحقق باللغة العربية وحسب، بل يفترض فيه أن يكون على علم بضروب المعرفة التي يتناولها النص، وهو إلى ذلك يتطلب صبرا وجلدا ونفسا طويلا على معاناة النص وخاصة إذا كان النص فريدا لا ثاني له، ومن هنا استطاع المحقق الغربي التفوق على العربي بشيء والتقصير عنه بشيء آخر، فلقد فاقه بصبره وجلده ومثابرته على اكتشاف الغامض من النص بالرجوع إلى عشرات المصادر وتطلبه في عشرات المظان، وقصر عنه بفهمه للغة غريبة عنه، تختلف في مجالاتها وضروب اشتقاق ألفاظها ومعاني

(1) هو الدكتور صلاح الدين المنجد.

(2) عرض ونقد لكتاب كون الحيوان لارسطوطاليس، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج 3، مج 49، 1394/ 1974، ص 642614.

(3) مقدمة الجزء الثالث من خريدة القصر قسم الشام 2524.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت