ويقول تعالى:وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـ?لِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا [الحج: 48] . الإملاء: الإمهال والتأخير .. كما قال تعالى إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا [آل عمران: 187] .
ووجود الأموال والأولاد وكل ما في الدنيا من مغريات، كل ذلك لا قيمة له عند الله إذا ما كان أصحابها يعصون ربهم وَمَا أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ بِ?لَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى? إِلاَّ مَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا [سبأ: 27] . نعم إلا من آمن وعمل صالحًا، فالله سبحانه لا يعتبر أحدًا لعظيم جاهه ولا رئيس لرياسته، ولا غني لغناه وثروته، ولا شريف لحسبه ونسبه، ولا جميل المنظر لصورته وبهائه، إنما المعتبر عنده سبحانه المؤمن الذي يخضع له، قال سبحانه: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ [الفرقان: 77] . أي ما يبالي بكم، ولا لكم عنده قدر ولا قيمة. لولا دعاؤكم أي لولا وجود إيمانكم وعبادتكم وقال: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ). رواه مسلم عن أبي هريرة.
ولقد أهلك الله عز وجل أممًا وأقوامًا وقرونًا وأجيالًا، كانوا أشد منا قوة وأطول أعمارًا وأرغد عيشًا وأكثر أموالًا، فأستأصلهم وأبادهم، ولم يبق لهم ذكر ولا أثر، وتركوا وراءهم قصورًا مشيدة وآبارًا معطلة وأراضٍ خالية وزروعًا مثمرة، ونعمة كانوا فيها فاكهين، فأورث كل ذلك قومًا آخرين فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ?لسَّمَاء وَ?لاْرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ [الدخان: 29] وفي هذا يقول سبحانه: أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـ?هُمْ فِى ?لأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ?لسَّمَاء عَلَيْهِم مَّدْرَارًا وَجَعَلْنَا ?لأنْهَـ?رَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـ?هُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءاخَرِينَ [الأنعام: 6] . وقال وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابًا شديدًا وعذبناها عذابًا نكرًا فذاقت وبال أمرها خسرًا. ما السبب؟ السبب المعاصي والذنوب، وإلا فما الذي أغرق قوم نوح بالطوفان فلم يبق على وجه الأرض إلا ما كان في السفينة؟ ما الذي أغرقهم إلا المعاصي والشرك. قال تعالى عن دعوة نوح رب لا تذر على الأرض من الكافين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارا.
وقوم عاد: لماذا أرسل عليهم الريح فأصبحوا عبرة للمعتبرين كما قال تعالى وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. أهل الذنوب والمعاصي.
وقوم ثمود: لماذا أهلكهم الله بالصحية فماتوا عن بكرة أبيهم؟ وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها. [هود: 17] .. إنها الذنوب والمعاصي.
وقوم لوط: لماذا أمر الله جبريل عليه السلام برفع مدنهم إلى أعلى الفضاء ثم جعل عاليها سافلها مع رجمهم بالحجارة من سجيل فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد. [هود: 82, 83] .
ولماذا أغرق الله فرعون وقومه في البحر؟ فالأجساد غرقى والأرواح حرقى، النار يعرضون عليها صباحًا ومساءً فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون. [القصص: 41] . وهكذا باقي الأمم السابقة كقوم شعيب وقارون وقوم تبع وغيرهم قال جل وعلا: فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض. ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. [العنكبوت: 40] وإذا كان العقاب قد حصل لهؤلاء الأقوام السابقين وقد كانوا يفعلون بعض المعاصي وليست كلها. فقوم لوط .. كانت جريمتهم اللواط، وقوم شعيب تطفيف الكيل والميزان، وهكذا فكيف إذا اجتمعت المعاصي والكبائر كلها في أمة، كما هي مجتمعة الآن في بلاد المسلمين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)