وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ (25) سورة العنكبوت.
وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، وهؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، فالجن تأتيه بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه، والإنس تطيع الجن فتارة تسجد له وتارة تسجد لما يأمره بالسجود له، وتارة تمكنه من نفسه فيفعل به الفاحشة، وكذلك الجنَّيات منهن من يريد من الإنس الذي يخدمه ما يريد نساء الإنس من الرجال، وهذا كثير في رجال الجن ونسائهم .. ويستشهد الدكتور اليحيى بقول ابن تيمية: ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة كما يخبر الكهان، فإن في الإنس من له غرض في هذا، لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ذلك، فإن كان القوم كفارًا كما كانت العرب لم تبال بأن يقال: إنه كاهن كما كان بعض العرب كهانا، وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وفيها كهان، وكان المنافقون يطلبون التحاكم إلى الكهان وكان أبو أبرق الأسلمي أحد الكهان قبل أن يسلم، وإن كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن، بل يجعل ذلك من باب الكرامات وهو من جنس الكهان، فإنه لا يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما يستمتع به من الإنسي بأن يطيعه الإنسي في بعض ما يريده، إما في شرك وإما في فاحشة وإما في أكل حرام وإما في قتل نفس بغير حق.
فالشياطين لهم غرض فيما نهى الله عنه من الكفر والفسوق والعصيان، ولهم لذة في الشر والفتن يحبون ذلك وإن لم يكن فيه منفعة لهم، وهم يأمرون السارق أن يسرق ويذهبون إلى أهل المال فيقولون: فلان سرق متاعكم ا. هـ.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} (21) سورة النور، فأخبر الله تعالى أن الشياطين يتدرجون بالعبد شيئًا فشيئًا إلى أن يقع بالمعصية، فلا يزالون به حتى يقع في الشرك.
ويقول الدكتور اليحيى ولا أظن - والله - هذا المسمى استعانة بالجن المسلمين إلا ضربًا من ضروب الاستدراج، فهم أنواع من الشياطين يستدرجون أولئك بزعمهم أنهم مسلمون، وأنهم لا يريدون سوى إعانة هذا (الذي نذر نفسه لعلاج الناس!!) ، فيطلعونه على ما يعلمون ويخفى على صاحبهم، حتى إذا استحلى هذا النوع من المعرفة، وذاق هذا الطعم من الخصوصية، وعسر عليه أن ينفك مما عرف به بين الناس، حين ذلك تستولي عليه الشياطين حقًا، لتملي عليه ما تقصده في الأصل من الاستمتاع الذي هو من صور الشرك كالسجود أو الذبح أو غير ذلك.
أن الله عز وجل قال: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} (60) سورة الأنفال، فهذا أمر بالإعداد للجهاد، فكل ما يمكن الإعداد به فهو مما تشمله الآية بالأمر، ومعلوم أن الاستعانة بالجن في مثل معارك المسلمين من أعظم الإعداد، فلو لم يكن منهم إلا نقل المعلومات عن العدو لكان ذلك من أعظم أسباب القوة, ومع هذا كله فلم يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة واحدة، ولا في بعثٍ أو سرية أنه استعان بالجن المسلمين.
بل إنه في غزوة الخندق في ليلة باردة رغب عليه الصلاة والسلام في التعرف على أحوال الكفار، فلم يجد إلا أن ينتدب من أصحابه من يأتيه بخبرهم، وقد كرر عليهم الطلب فلم يقم أحد، حتى أمر حذيفة - رضي الله عنه - بأن يأتيه بالخبر، قال حذيفة: فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم، وذلك لشدة الأمر في تلك الليلة بين الخوف والبرد.
فلو كانت الاستعانة بالجن المسلمين جائزة لكانت تلك الليلة من أعظم أوقات الحاجة، إن لم تكن ضرورة، فما كان على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يدعو جنيًا ممن أسلم على يديه ليأتيه بالخبر في لحظة، دون أن يشق على أصحابه، فدل على أن الاستعانة بهم أصلًا غير واردة بل هي ممنوعة.
ان قرين النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أسلم كما ثبت في صحيح مسلم، ومع ذلك لم يُنقل عنه أبدا أنه استعان في شيء.
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سُحر كما ثبت في الصحيحين، ولم يستعن بالجن المسلمين في معرفة السحر، بل إنه لم يعرف أنه في بئر ذي أروان حتى أخبره جبريل وميكائيل عليهما السلام.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)