ولا يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الاستعانة بالجن المسلمين مع جواز ذلك، لكونه منافيًا، لكمال التوكل كما في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لأن الاستعانة بهم لو كانت جائزة لكانت من قبيل أمره عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه لقضاء بعض حاجته، أو كأمره حذيفة - صلى الله عليه وسلم - بأن يأتيه بخبر المشركين كما تقدم في الحديث السابق، مما لا يعتبر منافيًا لكمال التوكل، فلما لم يحدث ذلك دل على أن الاستعانة بهم هي من قبيل الممنوع، وليست من قبيل المأذون فيه.
ويضيف د. اليحيى في أوجه منع الاستعانة بالجن كما لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء من ذلك، فكذلك لم ينقل عن أحد من أصحابه - رضي الله عنهم - من هذه الاستعانة شيء فيما أعلمه والله أعلم.
إن استخدام الجن خاص بسليمان - عليه السلام - كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعناه يقول أعوذ بالله منك، ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثًا وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة، أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} فرددته خاسئًا، متفق عليه.
ويقول د. اليحيى فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشأ أن يتعدى إلى ما كان من خصوصيات نبي الله سليمان - عليه السلام - فكيف يستجيز المسلم لنفسه أن يقتحم ما وقف عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -!!
إن الأخبار بالمغيبات - ولو كان غيبًا نسبيًا وهو ما يخفى على أحد دون أحد - هو مجال للافتتان من قبل المتحدث بذلك ومن قبل المستمع، وتهمة لمن تحدث بذلك أن يكون تلقاه بالسحر، والمسلم مأمور بتجنب مواطن الفتن والشبه.
إن التعامل هنا إنما هو مع الجن، وهو مجرد سماع كلام لا يمكن التأكد من خلاله من شخصية المتكلم، ومن ثم اليقين بأنه مسلم حقًا، أو هي مجرد دعوى، وتلبيس وخداع .. إن فتح هذا الباب يورث التلبيس على الناس والتشويش عليهم من حيث اختلاط المستعين بالجن المسلمين بالآخر المستعين بغير المسلمين، ثم لا يجد الناس فرقًا بينهم وبين السحرة والكهنة والمشعوذين.
أنه ما من أحد يخدم أحدًا إلا ويأخذ مقابل ذلك منفعة أو يطمع في ذلك، فَلِمَ يخدم الجن المسلمون هذا الشخص المستعين بهم؟ ويتساءل د. اليحيى هل يعقل أنهم يفعلون ذلك احتسابًا، وهم يعلمون أن صاحبهم يتقاضى على ذلك أجرًا وعمولة؟! بل حتى لو لم يأخذ شيئًا فهم يعلمون أن فعله ذلك سيجعل له مكانة، ويصبح ممن يقصده الناس، فهم مع هذا لن يرضوا إلا بمصلحة يجدونها، فما المصلحة التي يستفيدها الجني من الإنسي في هذه الحال، وقد تقدم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يوضح أن الجني لا يخدم الإنسي إلا بما ينتفع به.
أن تحضير هؤلاء الجن من قبل المستعين بهم لا يتم إلا بنوع من التمتمات والغرف المظلمة وأشياء من هذا القبيل، كما سمعنا ممن يدعي الاستعانة بالجن المسلمين، وهذا الفعل المشبوه ما الدليل عليه؟ وأي فرق بينه وبين صنيع السحرة والمشعوذين؟
إن من جوز الاستعانة بالجن المسلمين قد يلزمه تجويز الاستعانة بالجن غير المسلمين، فإذا كانت الاستعانة بالجن كالاستعانة بالإنس فلا فرق بين الكافر والمسلم ما دام أن الحاجة المقصودة مباحة، كما يستعين المسلم بالكافر في المباحات، وإذا جوز الأمران فعلى العقيدة السلام.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)