فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 23354 من 67893

لقد عرَّفنا عن أهل الضلال والانحراف فنحن معه في جدالٍ عن المعتزلة والجهمية والقول بخلق القرآن أو المنزلة بين المنزلتين أو إنكار الصفات أو الأسماء حتى إذا أمضى معنا شطرًا عاد فنظر إلى الأشاعرة وعقائدهم والخوارج ونحلهم ولعمر الله ما إن تقضت وتصرمت حبال تلك الإيام حتى وصل إلى التوبة والإحسان من شرح الطحاوية فكان شيئًا آخر من الزهد والورع ودقائق العبارات والإشارات ولقد رأيته بعد المغرب يحمل هم الأمة فتارة مع البدع والمنكرات وأخرى مع الصحف والمجلات لم يكن هو مجموعة من الناس بل كان أمة لوحدة قام بحمل يعجز عنه المئات وكيف لا أحزن على مثله في زمن كثر خبثه.

ولقد رأيت المئات من البشر يتدفقون على منزله في الثاني عشر من ربيع الأول لعام 1420هـ وهو اليوم الذي خرج فيه من السجن بعد خمس سنوات قضاها فيه فوالله إنه لذاك الرجل الذي دخل كأنما أدخل إلى محل يصهره مثل الذهب فخرج صافيًا نقيًا، هكذا حسبته والله حسيبه.

كلما جلست إليه حدثني عن البدع والمحدثات وكلما ظننت أنني سبقته بمعرفة نحلة وجدت أنني في أول الطريق بل حتى غرائب الكتب والمخطوطات كان عجيبًا فيها فقد سألته مرة عن مخطوطة عندي بعنوان مسائل الامتحان للشيرازي وذكرت له أنني سألت بعض كبار العلماء المتخصصين فلم يعرفوا أن أحدًا تكلم عليها فقال لي على البديهة أنها سيئة وخلاف منهج السلف ولكني لم أطلع عليها وقد ذمها ابن تيمية فقلت متلهثًا وأين ذمها؟ فقال في المجلد الرابع من الفتاوي وهذا بعد خروجه من السجن بشهرين فقط ونحن في جبال السراة، فلما عدت للموضع وافق الخبر الخبر ولقد صاحبت ذات مرة رجلًا متخصصًا في الصوفية ويحضر رسالة في التصوف وهو بحقٍ بحثا مطلع إلا أنه مبغض للشيخ سفر ومعاد له لأنه في نظره لايعرف الاعتقاد وقد أخذته بدون أن يشعر أو يدري فلما تواجه مع الشيخ سأله عن الصوفية وإذا بالبحر يتدفق فتحمس للسؤال عن بعض المراجع النادرة والشخصيات العابرة التي واجهه صعوبة في البحث عنها فكان جوابه أسرع في تفكيره وصوابه أكثر مما دار في خلد صاحبنا المبغض للشيخ فخرجنا بعدة فوائد ومسائل فقال صاحبي غشنى فلان غشني فلان يعني الذي قدح في الشيخ وغرر بي هذا الشخص.

ولو تتبعت ماحصل في المجالس من العجائب والغرائب والفوائد لكانت مجلدات حافلة بما يرفع رؤوس أهل السنة عاليًا.

ولا زلت أذكر أنني حاولت معه جاهدًا أن أكتب له ترجمة فأبى وامتنع حتى إذا رأى طليعة لترجمته في إحدى المواقع كنت قد كتبتها قال لي رجاءً لاتكتب عني فأنا لا أساوي شيء، اكتب عن العظام الكبار كالأنبياء والصحابة والتابعين من نحن حتى تكتب عنا؟

ولقد رأيته في يوم الأحد الموافق للسابع والعشرين من الشهر السادس من عام 1411هـ وقد كان يومًا مطيرًا يأتي متأخرًا عن درسه المعتاد الذي يكون قبل المغرب بساعة فجاءنا بعد المغرب مباشرة وأخبرنا بأنه منع من الدروس والمحاضرات ثم أخذ يطلب منا وبإلحاح قوي أن نواصل طلب العلم وأن نستمر فيه بالقراءة على أهل العلم وأيضًا أوصى الطلاب بالهدوء وعدم الإثارة كل هذا والطلاب والله في فزع وحيرة وغم وهم ولقد رأيت الدموع تتحدر من عيني كثير منهم لفراق دروسه.

فهو غاية في التواضع والأدب وآية في الحفظ والعلم نادرة في التحليل والفهم، جامع لكثير مما افترق، قارئ لأخبار وآثار من سبق، لايماري أو يجاري بل يحب التواضع وعدم الشهرة.

وكيف لايحزن الطلاب لفراق درسه وهو درس العلم والتواضع في وقت واحد فمرة حضر الشيخ ابن عثيمين فكان شيخنا كالتلميذ بين يديه ومرة حضر الشيخ ربيع المدخلي ففعل معه مثل الشيخ ابن عثيمين وتكلما في الدرس نيابة عنه ومع ماكان بينه وبين الشيخ ربيع وغيرهم كثير.

فلما حضر الداعية أحمد ديدات في المسجد وألقى موعظة بعد الدرس تكلم الشيخ والعبرة تختفه فقال (كأني بالشيخ أحمد ديدات هو وولده يطوف به البلدان ليرد على النصارى بموسى عليه السلام وهو يقول(إني لا أملك إلا نفسي وأخي فأفرق بيننا وبين القوم الفاسقين) ولما دافع عنه الشيخ ابن باز ما كان ليقرأ خطابه إلا ليهدِّي الشباب المندفعين من طلابه وماذا عساي أن أصف درسًا عقد منه أكثر من ثلاثمائة وثلاثين مجلسًا بعد العصر ونحو ذلك بعد المغرب.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت