فهرس الكتاب

الصفحة 2898 من 3779

والحديبيةُ بئرٌ، وسُمِّيَ المكانُ بها، وكان قد غاض ماؤُها، فتمضمضَ فيها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فجاء بالماء حتّى عمتَّهم (1) (2) .

وقيل: غرز فيها سهمًا من كنانته، فجاش بالرِّواء (3) حتى ضرب الناسُ عليه بعطَنٍ (4) . وسُمِّيَ يومَ الحديبية فتحًا؛ لأنَّه كان سببَ فتحِ مكةَ (5) .

والمعنى: دنا فتحُه.

وعن ابن شهابٍ (6) ، قال:"لم يكن في الإسلام فتحٌ أعظمَ من فتحِ الحديبية، وُضعتِ الحربُ، وأَمنَ الناسُ فتلاقَوا، ولم يكلَّمْ أحدٌ [بعقدِ الإسلام] (7) إلاّ دخل فيه، وقد دخل في تلك السنين مثلُ مَن كان قبلَ ذلك أو أكثرُ" (8) .

قال الشعبيُّ:"أصاب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في تلك الغزوة ما لم يُصبْ في غيرها، بُويعَ فيها بيعةَ الرضوان، وغُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّرَ، وظفرَ الرومُ على الفرس، وكان وَعد به فصحَّ صدقُه، وأُطعمَ نخيلَ خيبرَ، وقيل: نَفَلَ خيبرَ" (9) ، وذلك أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة أحبَّ أنْ يزورَ بيتَ اللهِ الحراِمَ بمكةَ، فخرج قاصدًا نحوَه في سنة ستٍّ من الهجرة، وأمر مَن حوالي المدينة أنْ يخرجوا معه، فخرج أولو البصيرة، وتخلَّف مَن كان في قلبه مرضٌ من المنافقين، ظنًا {أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} فاستصحب سبعين بدنةً، لينحرَها بمكةَ، ولمّا كان بذي الحُلَيفة (10) قلّد الهديّ وأشعره وأحرمَ بالعمرة؛ لتعلم قريشٌ أنه لم يأتِ لقتالٍ، وأرسل عثمانَ إلى قريشٍ ليسألَهم أنْ يُمكّنوه وأصحابَه من الزيارةِ والطوافِ، فأبطأَ عليه رجوعُ عثمانَ، وأُرجف بقتله، فقال: لا نبرحُ حتى نناجزَ القومَ، ودعا أصحابَه إلى مبايعته على أنْ يُقتلوا قريشًا ولا يفرُّوا عنهم ولا يُولُّوهم أدبارَهم، وكانوا ألفًا وثلاثمائة، وقيل: ألفًا وأربعمائة، وقيل: ألفًا وخمسمائة، فبايعوه إلاّ جَدُّ بنَ قيسٍ (11) ، فإنه اختبأ تحت إبط ناقتِه، وهذه البيعةُ هي التي تُسمَّى ببيعة الرضوان، وكانت تحت الشجرة، وهي سَمُرَةٌ، وقيل: سِدْرةٌ، والأول أكثرُ في التفاسير، فرجع عثمانُ، ولم يُجبه قريش إلى ما سأل، وجاء عروةُ بنُ مسعودٍ لإيقاع صلحٍ، فلمّا رأى أصحابَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: أي محمد، أرأيتَ إن استأصلت قومَك، هل سمعتَ بأحدٍ من العرب اجتاح أهلَه، على أني أرى وجوهًا وأشوابًا خليقًا أنْ يفرُّوا ويدعوك، فشتمه أبو بكر، فلمّا عاد إلى قريشٍ قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، وغيرهم من الملوك، ما رأيت ملكًا يعظمُه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمدًا، والله إنْ يتنخم نخامةً إلا وقعتْ في كفِّ رجلٍ منهم، فَدَلَكَ بها وجهَه وجلَده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَه، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدُّون النظرَ إليه تفخيمًا، وإنه قد عرض عليكم خُطة رشدٍ فاقبلوها منه، فلمّا اتّفقوا على الصلح جاء سُهيلُ بنُ عمروٍ المخزوميُّ (12) ، وتصالحوا على أنْ لا يدخلَ

(1) انظر: في (ب) "عمَّهم".

(2) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (5/ 16) ، غرائب التفسير (2/ 1111) ، معجم البلدان (2/ 229) .

(3) جاش بالرِّواء: أي ارتفع الماء وفاض منه. [انظر: كتاب العين (6/ 158) مادة"جَيَشَ"، وانظر: النُّكت والعيون (5/ 310) ] .

(4) العَطَنُ: ما حول الحوض والبئر من مَبارِكِ الإبل، ومُناخِ القومِ ويجمع على أعطان[انظر: كتاب العين

(2/ 14) مادة"عَطَنَ"].

(5) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحاس (ص: 677) .

(6) ابن شهاب هو الزهري، وقد تقدمت ترجمته آنفًا في (ص: 504) .

(7) في النسختين"بعقد الإسلام"والصواب ما أثبت وهو الموافق للأثر.

(8) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (26/ 108) ، والنَّحَّاس في الناسخ والمنسوخ (ص: 677) ، وأورده الثعلبي في تفسيره تفسير الثعلبي (9/ 64) ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (16/ 278) .

(9) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 225) ، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (26/ 71) .

(10) ذو الحُلَيفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، تقع بوادي العقيق، وفيها ميقات أهل المدينة. ... [انظر: معجم البلدان (2/ 295) ، معجم الأمكنة (ص: 240) ] .

(11) جَدُّ أو الجد بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان السُّلمي الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، كان ممن يغمص عليه النفاق من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان قد ساد في الجاهلية جميع بني سلمة فانتزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سؤدده وسود فيهم عمرو بن الجموح، وقد تخلَّف عن بيعة الحديبية مع حضوره واستتر ببطن ناقته، وتخلف عن عزوة تبوك،

ويقال إنه مات في خلافة عثمان، وقال ابن عبد البر - في آخر ترجمته -"يقال: إنه تاب وحسنت توبته ومات في خلافة عثمان". [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (1/ 331) ، أسد الغابة (1/ 521) ] .

(12) سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري يكنى أبا يزيد، أحد أشراف قريش وعقلائهم وخطبائهم وساداتهم، أسر يوم بدر كافرًا، ثم فدي، وقد تولى صُلح الحديبية من جانب قريش، ثمَّ أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وخرج بأهل بيته إلا ابنته هند إلى الشام مجاهدًا، فماتوا هناك، ولم يبق إلا ابنته هند، قيل: استشهد باليرموك، وقيل: بل استشهد في طاعون عمواس في خلافة عمر، سنة ثمان عشرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (2/ 229) ، أسد الغابة (2/ 585) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت