فهرس الكتاب
وأنكر بعضُ المفسّرين الخبرَ أصلًا، وقال: إنَّ هذا كلام المجسِّمة (1) ، ثم قال: ولا أدري كيف قولُهم في قدمه (2) ، أيتركُها في جهنمَ بحالها أم يخرجها؟! فإنْ تركها وجب أنْ تكونَ (3) مخلَّدةً في النار مع أهل النار، وإنْ أخرجها عادت جهنمُ غيرَ مملوءةً.
وهذا اعتراضٌ على المجسِّمة مسكتٌ.
وروى الثعلبي: (قِدمُه) بكسر القاف، وفسَّره بأنهم قومٌ خلقهم الله تعالى قبلَ آدمَ - عليه السلام -، يُقال لهم: (القِدَمُ) ، رؤوسُهم كرؤوس الكلاب والذئاب، وسائرُ أعضائهم كأعضاء بني آدمَ - عليه السلام -، فعصوا ربَّهم فأهلكهم، يملأُ اللهُ بهم جهنم" (4) ."
وهذا ضعيفٌ في الرواية، ركيكٌ.
والاعتراضُ على هذا وعلى المجسِّمة من وجهٍ أحسن من الأول، هو أنْ يُقال: إنَّ اللهَ سبحانه عيَّن وبيَّن، فقال: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} ، [هود: 119] ، فإذا ملأها ممّا ذهب إليه الثعلبيّ، أو ممّا ذهب إليه المجسِّمةُ لا يكونُ إنجازًا وبرًا، بل يكونُ خُلْفًا. والله أعلم (5) .
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) } أي: قُرِّبت وأُدنيت (6) .
والإزلافُ: التقريبُ في الخير، قيل: هذا قبلَ الدخول، يرونها من قُربٍ إلى أنْ يدخلونها بعدَ الحساب، ومثلُه: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} ، [الشعراء: 90 - 91] .
(1) المُجَسِّمة: هم المشبِّهة، وهم على النقيض من الجهمية، وقد أثبتوا الأسماء والصفات لله تعالى غير أنهم شبَّهوها بالمخلوق، فقالوا لله جسم كجسم المخلوق، ولله سمعًا كسمع المخلوق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. [انظر: شرح العقيدة الواسطية؛ للهرَّاس (ص: 185) ] .
(2) في (ب) "قدامه".
(3) في (ب) "أن يكون".
(4) انظر: تفسير الثعلبي (9/ 104) .
(5) والصحيح خلافًا لكلام المؤلِّف أنَّ صفة القدم والرجل ثابتة لله تعالى، وهي من صفات ذاته، قال الشيخ الغنيمان [في شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 125) بعد ذكر روايات القدم والرجل] :"ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأنَّ القدم والرِّجل - وكلاهما عبارة عن شيء واحد - صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته"، وانظر: صفات الله؛ للسَّقاف (ص: 125) .
(6) انظر: تفسير مقاتل (3/ 272) ، جامع البيان (26/ 171) .