فهرس الكتاب

الصفحة 3125 من 3779

ولما ذهب إليه المحقّقون وهو: أن الموت ليس بإفناءٍ؛ لأنَّ جسمَ الميت باقٍ، وإنمَّا الإفناءُ أنْ يعدَمه حتى يصيرَ بالفناء في حكم ما لم يُوجدْ، ثمَّ يُعيده ويُرجعه ثانيًا على الصِّفة التي كان عليها في الوجود الأول، وفَناءُ بعضِ الأجسام فَناءٌ لسائرها.

قالوا: والنعمة في الفناء التسويةُ بينهم، حتى لا يكون لأحدٍ منهم فضلٌ في الحياة.

ويحتمل: أن النعمةَ في الإفناء هو ما يبتني عليه من الإعادة؛ ليصل المؤمنون إلى ما وُعدوا به من النّعيم الدائم السَّرمد.

{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} : الوجه ها هنا صلةٌ، كما تقول: هذا وجه الأمر، وعين الشَّيء.

وقيل: {وَجْهُ رَبِّكَ} : ما يبتغى (1) به الله عزَّ وجل (2) .

{ذُو الْجَلَالِ} : ذو العَظَمة.

{وَالْإِكْرَامِ (27) } : الإعظام بالإحسان، وقيل: الجلال التنزيه، من قولهم: هو أجلّ عن هذا (3) .

{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) } .

{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : يسأله أهلُ الأرض الرزقَ والمغفرةَ، وأهلُ السَّماء القوةَ والمغفرةَ.

وقيل: يسألون الرزقَ والمغفرةَ للمؤمنين، كما سبق (4) .

{كُنَّا يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) } : ظرف للسؤال، وقيل: ظرف لشأن، أي: شأن يقع كلّ يوم (5) .

واليوم ها هنا عبارةٌ عن الوقت (6) .

وقد أكثروا في تفسير الشأن، والأَولى ما جاء مرفوعًا عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( شأنه أن يغفرَ ذنبًا ويدفعَ كربًا ويرفعُ قومًا ويضعُ آخرين(7 ) )) (8) .

وقيل: شأنه سبحانه سَوْق المقادير إلى المواقيت.

وقيل: بَعْثُ الرسل وشَرْعُ الشرائع (9) .

وذهب بعض المفسرين إلى أن {كُلَّ يَوْمٍ} ظرفٌ للسؤال، وهو صلةٌ.

و {فِي شَأْنٍ} متعلق بالسَّائلين، أي: شأن يحدث لهم ويتجدّد (10) .

وعلى هذا التأويل يجوز أنْ يكونَ {هُوَ} كناية عن السؤال، و {فِي شَأْنٍ} خبره، أي: سؤالهم كلّ يوم في شأن يبدو لهم ويظهر. والله أعلم.

ابن بحر: الدهر كلّه عند الله يومان: مدّةُ الدنيا يومٌ، وهو في الدنيا: في الأمر والنَّهى وتدبير العالم، والآخَرُ: يومُ القيمة، وهو في الآخرة في الجزاء والحساب والثّواب والعقاب" (11) ."

{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) } .

{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) } : هذا تهديد ووعيد بالجزاء والحساب بالإجماع؛ إذْ ليس له سبحانه شُغلٌ يكون له فَراغٌ، وهذا كما تقول لمن تهدّده: سأَفرُغ لك، قال جَرِير (12) :

الآن وقد فَرَغتُ إلى نُمَير ... وهذا حين كنتُ لهم عذابا (13) (14)

وقيل: معناه سينتهي الأمد (15) ، ويصل إليكم الوعد والمتوعَّد.

وقيل: معناه سنقصدكم بعد تركٍ وإمهالٍ (16) .

وقيل: الفراغ للفعل (17) : التوفّرُ عليه دون غيره (18) .

{أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} : هما الإنس والجن، سُمِّيا الثقلين لثقلهما على الأرض.

وقيل: لعقلهم ورزانتهم وقدْرهم.

وقيل: إنَّهما مُثْقلان بالذنوب.

وقيل: مُثْقلان بالتكليف (19) .

{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} : أي: إنْ قدرتم أنْ تخرجوا من جوانب الأرض سابقين الله معجزين له فاخرجوا، أو هذا كقوله: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} ، [العنكبوت: 22] .

خاطبهم به في الدنيا، ثمَّ قال: {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) } : لا تخرجون من سلطاني إلا بحجة، والمعنى حيث خرجتم إليه فثمَّ سلطاني، فيكون الباء للظرف، كما تقول: اجتزتُ بقرية كذا.

وقيل: لن تجتازوا أرضًا إلا لقيكم سلطانُ الموت، فيكونُ كما تقول: اجتزت به.

وقيل: الباء بمعنى (إلى) ، أي: إلى سلطان.

وقيل: لا تجتازون موضعًا إلا شاهدتم سلطانَ الله وحجّتَه الدالة على الوحدانية.

وقيل: يخاطبهم به في القيامة إذا نزلت الملائكة وصفُّوا حولَ الإنس والجنّ، والمعنى: يقال لكم عند الفراغ: يَا مَعْشَرَ {الْجِنِّ وَالْإِنْسِ .. } الآية.

ومعنى {لَا تَنْفُذُونَ} : لا تجوزون.

{إِلَّا بِسُلْطَانٍ} : بإيمانٍ وطاعةٍ.

وقيل: إذا أَتوا بالحجّة، وهي الإيمان والطّاعة، أُمر بهم إلى الجنَّة فيخرجون من أقطارهما؛ لأنَّ الجنَّة خارجة من أقطارهما.

وقيل: فانفذوا أمر تعجيز (20) .

وعن ابن عبّاس: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا، لا تعلمون {إِلَّا بِسُلْطَانٍ} : إلا بالبيّنة من الله" (21) ."

(1) في (ب) "ما ينتهي".

(2) والوجه صفة من صفات الله العلي الذاتية وقد وصف بها نفسه فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، وهذا من الأشاعرة تأويل وخروج عن إثبات صفة الوجه لله تعالى، في حين عند أهل السنة هذه الآية من آيات الصفات التي تثبت بها صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله. ... [انظر: مجموع الفتاوى (3/ 133) ] .

(3) انظر: تفسير السَّمعاني (5/ 328) ، تفسير البغوي (7/ 445) .

(4) انظر: النُّكت والعيون (5/ 432) ، تفسير البغوي (7/ 445) .

(5) انظر: الجامع لأحكام القرآن (17/ 162) ، البحر المحيط (10/ 63) .

(6) انظر: النُّكت والعيون (5/ 433) .

(7) في (ب) "أخرى".

(8) أخرجه ابن ماجة في سُننه، في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، برقم (202) عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، والطبراني في المعجم الكبير (4/ 220) برقم (1796) ، قال الهيثمي:"وفيه الوزير بن صبيح، ولم أعرفه". [مجمع الزوائد (17/ 117) ] .

(9) انظر: النُّكت والعيون (5/ 432) ، الجامع لأحكام القرآن (17/ 162) .

(10) انظر: الجامع لأحكام القرآن (17/ 162) .

(11) انظر: النُّكت والعيون (5/ 432) ، الجامع لأحكام القرآن (17/ 162) ، وفي تفسير البغوي (7/ 446) بنحو هذا القول لسفيان بن عيينة.

(12) جرير بن عطية بن الخَطَفِي التميمي البصري. شاعر زمانه، أبو حزرة، مدح يزيد بن معاوية، وخلفاء بني أمية، وشعره مدون، وقد اشتهر بالهجاء والنقائض وخوصًا فيما بينه وبين الفرزدق، وقيل: كان جرير عفيفًا منيبًا، وقد جمعت (نقائضه مع الفرزدق - ط) في ثلاثة أجزاء، و (ديوان شعره - ط) في جزأين، وأخباره مع الشعراء وغيرهم كثيرة جدًا، وتوفي سنة عشر للهجرة بعد الفرزدق بشهر [انظر ترجمته: الشِّعر والشعراء (ص: 284) ، سير أعلام النبلاء (4/ 590) ، الأعلام (2/ 119) ] .

(13) البيت لجرير، ولم أقف عليه في ديوانه. وانظر: الجامع لأحكام القرآن (17/ 164) ، البحر المحيط (10/ 63) .

(14) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (3/ 116) ، جامع البيان (27/ 136) ، تفسير السَّمرقندي (3/ 362) ، النُّكت والعيون (5/ 434) ، المحرر الوجيز (5/ 229) .

(15) في (أ) "الأمر".

(16) انظر: النُّكت والعيون (5/ 432) ، الجامع لأحكام القرآن (17/ 162) .

(17) في (ب) "للفراغ للفعل".

(18) انظر: غرائب التفسير (2/ 1171) .

(19) انظر: تفسير البغوي (7/ 447) ، البحر المحيط (10/ 64) .

(20) انظر: جامع البيان (27/ 136) ، المحرر الوجيز (5/ 230) ، زاد المسير (7/ 310) .

(21) انظر: جامع البيان (27/ 137) ، زاد المسير (7/ 310) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت