فهرس الكتاب

الصفحة 3290 من 3779

وقيل: أمر بالتقوى في أحكام الطلاق ثلاثَ مراتٍ، ووعد في كلّ مرةٍ نوعًا من الجزاء، فقال: أولًا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} ، يُخرجه مما دخل فيه وهو يكرهه، ويُتيحُ له محبوبَه من حيثُ لا يتأمّل.

وقال في الثاني: يُسهّل عليه الصعبَ من أمره، ويُتيحُ له خيرًا ممَّن طلّقها، إنْ كان الطلاقُ من جهتها.

والثالث: وعد (1) عليه أفضلَ الجزاء، وهو ما يكونُ في الآخرة من النَّعماء (2) .

{ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ} : أي: المفروضُ المتقدّم ذكرُه فرضُ الله.

{أَنْزَلَهُ} : من اللّوح المحفوظ {إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) } : سبق.

{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} : أي: أنزلوهن الدارَ والمسكنَ الذي أنتم به

سكنتم ونزلتم (3) .

{مِنْ وُجْدِكُمْ} : من غنائكم الذي به ملكتم المساكنَ.

وقيل: الأمرُ بالسُّكنى قد تقدّم، وهذا أمرٌ بالإنفاق عليهن. والمعنى: أشركوهن (4)

فيما وجدتم من المال.

وقيل: {مِنْ وُجْدِكُمْ} : سعتكم وقُدرتكم (5) .

{وَلَا تُضَارُّوهُنَّ} : أي: في السُّكنى، ولا في النفقة.

والمضارّةُ: المضايقةُ والمزاحمةُ.

{لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} : فتُحوِجوهنَّ إلى الخروج (6) .

{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} : أي: المطلَّقات ذوات الأحمال.

{فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} : أجمعوا على أنَّ المطلَّقةَ إذا كانت

حاملًا فلها النَّفقةُ، وكذلك كُلُّ (7) مطلَّقةٍ ما دامت في العدّة فلها السُّكنى والنفقةُ.

وقال بعضُهم: إذا بانت فلها السُّكنى دون النفقة (8) .

{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} : يعني: النساءَ البوائنَ أولادَكم منهن.

{فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} : على الإرضاع؛ لأنه لا يجبُ عليها الإرضاع.

{وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} : ليأمرُ بعضُكم بعضًا بالجميل في إرضاع الولد.

وقيل: {بِمَعْرُوفٍ} : بمشورةٍ في الإرضاع.

وقيل: هو أنْ لا يضرَّ الرجلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرجل في الإرضاع.

{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ} : تضايقتم واختلفتم في الإرضاع، فأبت الأمُّ أو أبى الأب، أو

تضايقتم في الأجرة.

{فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) } : بدفع (9) الصبيِّ إلى امرأةٍ أخرى، ولا تجبرُ (10)

الأمَّ على الإرضاع، فإنْ لم يقبل الصبيُّ ثديَ غيرها أُجبرت على إرضاعه بأُجرة المثل (11) .

{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} : أي: لينفق الكثيرُ المالِ على المطلَّقة، وعلى أمِّ الولد من غِناه وثروته.

{وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} : أي: رزقه الله على قدر قوّته.

وقيل: ضيِّق وقتِّر (12) .

{فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ} : أي: لينفق من ذلك الذي يؤتى وإنْ كان قليلًا.

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا} : ما أعطاها من الرزق.

وقيل:" {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا} : أي: بقدر عقلها. حكاه"

النقاش" (13) ، فعلى هذا التأويل لا يكونُ متّصلًا بما قبلها."

{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) } : أي: بعد ضِيقٍ في المعيشة سعةً.

وهذا وعدٌ للمؤمنين، كقوله: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] ، أي:

عاجلًا وآجلًا (14) .

{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} : أهل قريةٍ {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} (15) :

خالفت (16) اللهَ ورُسُلَه (17) .

وقيل: هم قومٌ عُذِبوا بمعصيتهم وتعدِّيهم (18) في الطَّلاق (19) .

{فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) } :

قيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: عذَّبناها عذابًا شديدًا في الدنيا، ونُحاسبُها (20) حسابًا

شديدًا في القيامة (21) .

وجاء بلفظ الماضي للتَّحقيق، كأكثر ألفاظ القيامة (22) .

وقيل: حاسبناها في الدنيا، أي (23) : أخذنا ما لنا وأعطينا ما لهم، والمعنى: أخذناهم

بالذنوب.

وقيل: جازيناها، من قوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون: 117] .

وقيل: ضيّقنا عليها (24) .

ومعنى {نُكْرًا} : فظيعًا (25) شديدًا.

وقيل: لا يُعهدُ مثلُه (26) .

{فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} : نالت وبيلَ فعلِها وعقوبةَ صُنعها.

{وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) } : أي: آخر أمرها خُسرانًا، لا رِبحَ فيه.

ثم فسّر فقال (27) :

{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} : يا ذوي

العقول. ولبُّ كلّ خالصُه، وقيل: اللُّبُّ: القلب (28) .

(1) في (ب) "توعد".

(2) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: 313) ، البحر المحيط (10/ 201) .

(3) في (ب) "وسكنتم ونزلتم".

(4) في (أ) "أتركوهنَّ".

(5) وكلُّها معانٍ متقاربة. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (3/ 163) ، جامع البيان (28/ 145) ] .

(6) انظر: جامع البيان (28/ 146) ، النُّكت والعيون (6/ 33) .

(7) "كُلُّ"ساقطة من (ب) .

(8) وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد. [انظر: النُّكت والعيون (6/ 33) ، زاد المسير (8/ 74) ، تفسير البغوي (8/ 154) ] .

(9) في (ب) "يُدفعُ".

(10) في (أ) "ولا تُجبرُ".

(11) انظر: النُّكت والعيون (6/ 34) ، الجامع لأحكام القرآن (18/ 163) .

(12) انظر: جامع البيان (28/ 148) ، زاد المسير (8/ 75) .

(13) لم أقف عليه.

(14) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (5/ 146) ، زاد المسير (8/ 75) ، تفسير البيضاوي (2/ 503) .

(15) في (أ) "عَتَتْ {عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} : خالفت اللهَ {وَرُسُلِهِ} ".

(16) في (ب) "خالفَ".

(17) انظر: جامع البيان (28/ 150) ، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (5/ 146) .

(18) في (أ) "وتعذيبهم".

(19) ذكره ابن جرير بسنده في جامع البيان (28/ 150) عن عمرو بن أبي سلمة عن عمر بن سليمان، وأورده النَّحَّاس في إعراب القرآن (4/ 299) .

(20) في (أ) "ويُحاسبها".

(21) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (3/ 164) ، تفسير الثعلبي (9/ 342) .

(22) انظر: تفسير الثعلبي (9/ 342) ، تفسير البيضاوي (2/ 503) .

(23) "أي"ساقطة من (أ) .

(24) انظر: جامع البيان (28/ 150) ، تفسير السَّمرقندي (3/ 442) ، زاد المسير (8/ 76) .

(25) في (أ) "قطيعًا".

(26) انظر: جامع البيان (28/ 150) ، تفسير الثعلبي (9/ 342) .

(27) "فقال"ساقطة من (أ) .

(28) انظر: المفردات (ص: 733) ، مادة"لَبَّ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت