كلامه تعالى، وقد أعلمه بذلك، فقال تعالى: .. يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه: 11 - 12] ، فلم يسأل موسى عن مصدر ما يسمع بل امتثل للأمر بتقديس الموضع مما يشير إلى أن النداء نفسه بقوله تعالى:
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وفي آية أخرى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [القصص: 30] فهم منه موسى أن الموقف موقف الحضور ومقام المشافهة «1» .
ولكن المفسرين اختلفوا في مصدر هذا اليقين الموسوي بأن ما سمعه هو كلام اللَّه تعالى ونداؤه، فالشيخ الطوسي يذهب إلى أن يقين موسى متأت من معجزة أظهرها اللَّه تعالى «2» .
واستعان الزمخشري بالرواية فيما نقل عن موسى عليه السلام في فهم سبب يقينه بذلك، فقد روي أن موسى قال: «أنا عرفت أنه كلام اللَّه بأني أسمعه من جميع الجهات الست، وأسمعه بجميع أعضائي» «3» .
إلا أن من المفسرين من يرى أن اليقين بمصدر الوحي أنه من اللَّه هو قاسم مشترك في جميع الأنبياء عليهم السلام، وأنهم عموما في أول ما يوحى إليهم بالنبوة، ويكلفون بالرسالة، لا يخالجهم شك في أن الذي يوحى إليهم هو من اللَّه سبحانه وتعالى: (من غير حاجة إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجة) «4» . أو يخلق فيهم علما ضروريا أنه ربهم يوحي إليهم أو يكلمهم.
4 -إن حالة التكليم من وراء حجاب لم تكن حالة مستمرة من الوحي طيلة نبوة موسى عليه السلام وتبليغه شريعته، بل الظاهر من الكتاب الكريم فيما يستنتجه الباحث أنه تعالى لم يكلم موسى إلا في ثلاث مرات (لا مرتين كما ذهب جمع كبير من المفسرين) :
المرة الأولى: كانت دون مواعدة سابقة معه، إذ فوجئ موسى بها حين آنس النار فيما قصه تعالى بقوله تعالى: إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
(1) الطباطبائي: الميزان (14/ 139) .
(2) التبيان (7/ 144) .
(3) الكشاف (2/ 531) .
(4) الميزان (14/ 138) .