واعتمد مجاهد في فهمه للمناجاة والقرب بهذه الحدود المادية على المعنى الذي يراه للحجاب الذي يكلّم من ورائه كما تشير آية الشورى، فإن معنى قوله تعالى: وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا عنده: أنه تعالى قربه إلى ما (بين السماء الرابعة أو قال السابعة) سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة .. فما زال يقرب موسى حتى [بقي] بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ «1» .
ولا شك أن قيام الحجاب في هذا التكليم مانع من صرف المناجاة والقرب إلى المعاني المادية وجعلهما مرتبطين بمكان بين السماوات واستماع لصريف القلم، والمناجاة والقرب في حقيقة الأمر هنا تعبير عن الاختصاص الذي أنعم به على موسى عليه السلام فقرّب ونوجي بأن خصّ من دون البشر باستماع الكلام. وإلا فلو كان الأمر صعودا إلى سماوات واستماع لصريف قلم لكان ذلك معراجا إلى السماء وليس في الآيات ظاهرها ولا باطنها ما يدل على مثل ذلك، فلزم أن يكون ذلك مفهوما منه معنى الاختصاص بسماع الكلام.
الصورة الثالثة: الوحي بواسطة الملك:
وهذه الصورة هي التي عبرت عنها آية الشورى بقوله تعالى: .. أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: 51] .
تفترق هذه الصورة إذن عن سابقتيها بوساطة الرسول الذي يوحي بإذنه تعالى بما يكلم به عباده. هذا هو المدلول العام للآية فهي لم تتطرق إلى حقيقة هذا الرسول، إن كان يراد به الرسول البشري، أم الرسول الملكي.
وهذا العموم في الآية أدى إلى اختلاف المفسرين فيه، ويمكن إجمال الآراء في ذلك على محورين تبعا للنوعين المحتملين من الرسل والمحوران هما:
الأول: ما ذهب إليه بعض المفسرين أن الرسول المقصود هو الرسول النبي الذي يصطفيه اللَّه تعالى من البشر ليبلغهم شرائعه ووحيه، فقد ذهب الباقلاني إلى أنه تعالى يسمع كلامه لعباده على ثلاث مراتب، أحدها: أن يسمعه بواسطة من ملك أو رسول أو قارئ، وذلك كاستماع الخلق من الرسول عند قراءته للصحابة وقراءة الصحابة للتابعين وكذلك هلمّ جرا إلى يومنا هذا.
(1) المصدر السابق.