وفيها أعطي الألواح التي فيها شريعته، وكلف تبليغها إلى بني إسرائيل، قال تعالى: وكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ [الأعراف: 145] .
وكانت المرة الثالثة: ذات خصوصة ميزتها عن سابقتيها، وكانت بعد ارتداد بني إسرائيل وعبادتهم العجل أثناء غياب موسى عليه السلام في مدة الأربعين ليلة موعده مع ربه تعالى، ففي هذه المرة كان التكليم لموسى بحضور سبعين من قومه اختارهم لموعد مع اللَّه تعالى على الطور، قال تعالى: واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإِيَّايَ .. [الأعراف: 155] . ففي هذه المرة لم يكن سماع الكلام مخصوصا بموسى عليه السلام وحده وإنما شهده معه السبعون من قومه، فكان معنى الحجاب في هذه المرة أنه تعالى (حجب الكلام عن جميع الخلق إلا عن موسى والسبعين الذين كانوا معه) «1» .
5 -إن هذا التكليم مرتبة من مراتب القرب من اللَّه تعالى عبر عن كيفيتها بصورتين إضافة إلى صيغة التكليم هما:
أ - النداء: كقوله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ [القصص: 30] .
ب - المناجاة: كقوله تعالى: ونادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا [مريم: 52] . وقد قيل النداء ما كان من بعد، والنجاء ما كان من قرب «2» . وفي قوله تعالى (نجيا) قيل إن معناه أنه تعالى اختصه بكلامه بحيث لم يسمعه غيره، إذ يقال ناجاه مناجاة: إذا اختصه بإلقاء كلامه إليه «3» .
إلا أن من المفسرين من يفهم المناجاة هنا فهما ماديا مرتبطا بالمكانية فكأنه تعالى قربه منه مكانا، فعن ابن عباس وسعيد بن جبير: أنه قرب حتى سمع صريف القلم «4» .
(1) الطبرسي: مجمع البيان (9/ 37) .
(2) انظر ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين (1/ 38) .
(3) الطوسي: التبيان (7/ 118) .
(4) الطبرسي: جامع البيان (16/ 71) .