وهذه الإشارات التي تضمنت ذكر مواجهة الملائكة للأنبياء أو غيرهم لم تخصص أو تبين المراد بالملائكة بل اكتفت بالتعميم غالبا إلا ما كان من التعبير بالروح القدس المؤيد به عيسى عليه السلام والذي أشارت آيات أخرى إلى أنه نزل بالقرآن الكريم على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم.
ويرى أغلب المفسرين الأوائل وخصوصا قتادة والسدي والضحاك والربيع وغيرهم «1» أن المراد بالروح القدس في قوله تعالى: وآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ... [البقرة: 87] هو جبريل عليه السلام.
وقد أيد بعض المفسرين المتأخرين عن هؤلاء كالطبرسي والطوسي أن يكون المراد بالروح في الآية هو جبريل، وعللا تسميته تعالى له بالروح أنه كان بتكوين اللَّه له روحا من عنده من غير ولادة والد له فسماه بذلك روحا ... «2» .
رابعا: المبادئ العامة للوحي النبوي العام:
من كل ما مرّ من البحث في الوحي الإلهي إلى الأنبياء عموما يمكن استخلاص جملة نقاط تمثل مبادئ عامة تطبع الوحي النبوي بطابعها ومنها:
1 -أنه لا وحي ولا نبوة بدون الغيب الإلهي المصدر، فلا علم لنبي بالغيب قبل نبوته ولا بعدها إلا من خلال الوحي. وإن علم النبي يكون باصطفائه من بين الناس عموما ليطلع عليه قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ .. [الجن: 27] .
2 -إن الأنبياء عموما بشر عاديون وليسوا مجهزين بقدرات غيبية خارقة، وإنما اصطفوا لتبليغ الوحي إلى عموم الناس، وإن هذا الاصطفاء مرتكز أساسا على قوله تعالى: .. اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ .. [الأنعام: 124] .
3 -إن أساس دعوة كل وحي كان لنبي من الأنبياء هو التوحيد، فلم يبعث نبي إلا والتوحيد على رأس دعوته، قال تعالى: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] . وقال قتادة: (لم يرسل نبي إلا
(1) الطبري: جامع البيان (1/ 320 - 321) .
(2) انظر التبيان (2/ 304) ، والكشاف (1/ 653) .