الآخرين يرد دائما إما مدخلا للوحي المحمدي، أو خاتمة للدلالة عليه، قال تعالى:
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ .. [النساء: 163] ، فالوحي المحمدي إذن يتمثل بهذه الوحدة الإعجازية المتكاملة: القرآن الكريم، وهذا المبحث الذي خصص للوحي المحمدي ينقسم إلى ثلاثة محاور رئيسية هي:
1 -وحي القرآن.
2 -صور الوحي المحمدي وأقسامه.
3 -خصائص الوحي المحمدي.
المحور الأول: وحي القرآن.
من الملاحظ في القرآن الكريم أنه يربط غالبا بين وحي القرآن والتنزيل بصيغ ومصاديق متعددة، يجمع بينها (النزول) في التعبير اللغوي القرآني وإن اختلفت في مفاهيمها، وهذه الأنواع من التنزيل تندرج تحت ثلاثة مصاديق هي: الصيغة الأولى:
نزول الملك به.
يعبر القرآن الكريم عن حالة الالتقاء بين الرسول الملكي والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم باختلاف أشكالها بالنزول، والنزول في العربية من: نزل. يقال: نزل فلان عن الدابة، أو من علو إلى أسفل «1» .
وواضح أن الإشارة إلى هذه الحالة بين الملك والرسول تحمل بين طياتها إشارة إلى مرتبتين مختلفتين يتنزل من إحداهما إلى الأخرى، وهذا المعنى يفهم منه الشيخ مصطفى عبد الرازق أن فيه دلالة من خلال ظاهر لفظه على: أنه يمثل صورة مادية للملك ونزوله «2» . ويكاد هذا المعنى يتأكد في الوصف القرآني لهذه العملية مرتبطا بالمصدر المؤكد لفظيا، قال تعالى: ... ونُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: 25] .
وقد عبر عن إرسال الملائكة إلى البشر بإنزالهم في مواضع عديدة مما يتأكد معه اقتران هذا المعنى بما يكون من صلة الإلقاء والتلقي بين الملك والنبي، قال تعالى:
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ... [النحل: 2] ،
(1) الفراهيدي أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد (ت 175 ه/ 786 م) العين (7/ 367) مادة/ نزل/
(2) الدين والوحي والإسلام (ص 55) .