فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 276

والحقيقة أن استخدام القلب هنا فيه دلالة مهمة، تتمثل في أن الوحي يجمل بين طياته معاني الخفاء، والإلقاء السريع بما يعز على إدراك غير الموحى إليه، والمعاني الملقاة بهذه الصورة من الوحي لا يمكن للأعضاء الحسية مجاراة السرعة التي تلقى بها، كما أن تلك الحواس أمر مشترك بين النبي وغيره فإذا كانت ذات دور في تلقي الوحي فلم لم يدركها غيره وفي هذا النطاق من الخفاء يدخل كل ما له صلة بالوحي.

فهنا يمكن الجمع بين عناصر الرأيين بالقول: إن القلب هنا بمعنى الأداة المدركة التي يعبر عنها في القرآن أحيانا باللب، قال تعالى: .. وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [البقرة: 269] ، قال تعالى: .. أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ [الزمر: 18] ، فكأن القلب المدرك لما ينزل عليه من الوحي هو النفس النبوية القدسية الصقيلة بالفطرة والاصطفاء والاستعداد الخاص لتنعكس عليها نصوص الوحي مكثفة تحتمل معاني وعلوما ليس للأدوات الحسية أن تدركها بكثافتها المرادة، وهي تحمل شرائع وتعاليم متكاملة تنظم حياة مجتمعات كاملة.

كما أن هذا النزول نزول بالمعاني لا بالألفاظ، بدلالة الآية: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: 193] .

الصيغة الثالثة: نزول الوحي مفرقا.

مما يتميز به الوحي المحمدي عن جميع ما سبقه من وحي إلى الأنبياء عموما ميزة النزول المتدرج المتفرق في وحي استمر مدة ثلاثة وعشرين عاما تفصل بين أول ما نزل من الوحي وآخر ما نزل منه.

فالقرآن الكريم وهو نص الوحي الإلهي إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم طيلة هذه المدة تميّز عن جميع كتب الأنبياء السابقين، فافترقت شريعته عن شرائعهم بهذه الميزة الفريدة إذ جاءت متدرجة متفرقة طيلة مدة التشريع.

فما وصل إلينا من ذكر شرائع من سبق من الأنبياء مستفادا من القرآن الكريم والأخبار يصوّر لنا بما لا يقبل الشك والجدل أن كلا منها نزلت على صاحبها، وحدة متكاملة في وقت واحد وأحيانا في موقف واحد، وهذا الحال ينطبق على شريعة نوح التي عبّر عنها القرآن الكريم بما أوصى به، وكذلك على ما كان من شرائع إبراهيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت