فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 276

عليه بمعاناة الشدة في الوحي، من تعرق ورجفة وغيرها من أمور تسببها حالة الصفاء النفسي الشديد وتجرد النبي عن كل شغل لتلقي الوحي عن الملك، إن مثل هذه الأخبار كانت مدخلا نفذت منه مزاعم بعض المستشرقين الذين حاولوا تصوير تلك المظاهر المحيطة بحالة التلقي على أنها نوع من التشنجات العصبية، وأن عموم حالة الوحي انعكاس لحالة من الصرع والهستيريا «1» .. كذا.

وما يهمنا من هذه الرواية هو ما توافرت عليه - مع ربطها بروايات أخرى مشابهة - من أدلة على أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم رأى جبريل في تلك الحالة في صورة بشرية، وقد عبّر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فيما

رواه البيهقي ... عن جابر بن عبد اللَّه قال .. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: « ... فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي» «2»

فإشارته صلّى اللّه عليه وسلّم على أنه نفس الملك الذي جاءه بحراء، وكونه جالسا على كرسي دال على أن تلك الرؤية له في المنام كانت في صورة بشرية.

وقد أكد ابن سيد الناس هذه الحالة وعدّها من صور ظهور جبريل للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم «3» .

د - أن ينفث الملك جبريل عليه السلام الوحي في روع النبي (و عبّر عن ذلك بقلبه أيضا) نفثا، وفي هذه الحالة فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يحسّ أن معنى جديدا لم يسبق حدوثه له قد وعاه قلبه وعقله، وهذه الحالة تنعدم فيها المواجهة بين الملك والرسول فهو صلّى اللّه عليه وسلّم لا يرى الملك ولا يسمع صوت الوحي وإنما يجد تلك المعارف في نفسه، ويعلم أن الملك نفثها في روعه، قد عبر بعض الباحثين عن هذه الحالة بأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيها (يتلقى عرفانا يقينيا بغير صوت) «4» .

وما يؤكد ويفصل هذه الحالة من الوحي ما

روي عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها، فاتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب» «5» .

(1) انظر كولد زيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام، بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية.

(2) دلائل النبوة (1/ 396) .

(3) عيون الأثر (1/ 112) .

(4) الصغير: تاريخ القرآن (ص 35) .

(5) عيون الأثر (1/ 112) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت