من خلال هذه الرواية وربطها مع معاني الآيات التي أشارت إلى نزول الملك بالوحي على قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم يمكن أن نفهم أن الوحي النازل على قلبه هنا نوعان:
-فمنه ما هو نص يبلغ كما هو لا تغيير فيه، وهو ما يكون ضمن النص القرآني.
-ومنه ما يمكن التصرف فيه بالتعبير عنه مما لا يدخل ضمن النص القرآني الكريم كهذه الحالة التي رواها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الرواية السابقة.
ه - آراء في أشكال أخرى من وحي الملك:
هذه الأشكال الأربعة من وحي الملك للنبي تكاد تكون أهم الأشكال إن لم تكن كلها، وقد أضاف ابن قيم الجوزية إليها حالة أخرى عبر عنها بأن (يدخل الملك في النبي، فيوحي إليه ما يوحيه ثم يفصم عنه أي يقلع) «1» .
ونحن نجد لهذه الحالة أساسا فيما
روي من أن الحارث بن هشام سأل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أحيانا يأتيني كصلصلة الجرس وهو أشدّه علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال» «2» .
وقد يسأل سائل: أ ليست هذه صورة من صور الوحي؟
ونقول إنها ليست صورة من صور الوحي بمعنى أن تكون إحدى الصور الرئيسية التي يلقي خلالها جبريل الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنما هي إحدى الصيغ التي يلقي خلالها جبريل الوحي بأن يسمع الرسول أصواتا مبهمة، ليست كالكلام المفهوم لدينا، وإنما هي كما عبر عنها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: كصلصلة الجرس، فيفهم منها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما يراد وحيه إليه.
ومما يدل على هذا المعنى الخاص
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في بيان صيغة أخرى من تلك الصيغ في الرواية نفسها: «و أحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» «2» .
فينتج من هذا أن حالة سماع الصوت كصلصلة الجرس هي شكل من أشكال سماع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للصوت عن جبريل، فكلامه في هذه الحالة كتلك الصلصلة مبهم يفهم هو منه ما يراد مثلما أن كلامه في تمثله رجلا كان كلاما واضحا يعيه الرسول، وليس كالأصوات في تلك الحالة. فهي إذن حالة سماع بشكل خاص وليست شكلا خاصا
(1) مدارج السالكين (1/ 39) .
(2) صحيح البخاري (1/ 6) .