تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ .. [الأنفال: 12] الآية. يظهر من محاولات المفسرين تفسير هذه الآية والكيفية التي يوحي بها تعالى إلى الملائكة أنهم يلجئون إلى العمومات دون أن يدخلوا في التفاصيل المحتملة لذلك. ففي تفسيره للوحي إلى الملائكة نجد الشيخ الطوسي يعتمد على عنصر الخفاء في معنى الوحي عموما ليتخذه أساسا في فهمه للوحي إليهم. فهذا الوحي للملائكة يشير إليه الشيخ الطوسي بأنه يكون من وجه يخفى كما يمكن أن يكون بأنه تعالى ينصب دليلا يخفى إلا على من ألقي إليه من الملائكة «1» .
وذهب مفسرون آخرون إلى أن هذا الوحي كان بواسطة ملائكة آخرين من بين عموم الملائكة، إذا اعتبروا أن هذه الطريقة هي طريقة عامة في خطابه تعالى للملائكة والتي من مصاديقها ما عبرت عنه بعض الآيات بصيغة (القول) وتصريفاتها المنسوبة إليه تعالى موجهة إلى الملائكة وذلك كقوله تعالى: .. وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ .. [البقرة: 34] الآية.
فهؤلاء المفسرون يرون أن طريقة ذلك الخطاب للملائكة هو أن الوحي كان منه تعالى إلى من بعثه إليهم من الرسل - من بينهم - لأن كلام الرسول كلام المرسل «2» .
وهذا الرأي بلا شك لم يحدد أيضا ماهية وكيفية الوحي إلى الملائكة لأنه لم يوضح كيف تلقّى أولئك الرسل من بين الملائكة الوحي وطريقة ذلك.
ويورد الراغب الأصفهاني في تفسير آخر يعتمد خصوصية عالم الملائكة وكونهم مطلعين على اللوح المحفوظ والقلم، فيرى أن الوحي إليهم كان (بواسطة اللوح والقلم) «3» .
وقد حاول تفسير آخر أن يكون أكثر تفصيلا وتحديدا في بيان كيفية هذا الوحي وذلك فيما نقله الطبرسي في معرض تفسيره لقوله تعالى: وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فما قيل في صفة هذا الأمر الإلهي للملائكة بالسجود قولان «4» :
(1) الطوسي: التبيان (5/ 87) .
(2) مجمع البيان (1/ 83) .
(3) المفردات (ص 516) .
(4) مجمع البيان (1/ 83) .